توافد الأمناء العامين للأحزاب على طنجة وقت الانتخابات… حين يصبح الخجل عملة نادرة

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تتحول مدينة طنجة إلى محطة إلزامية في أجندة الأمناء العامين للأحزاب السياسية. فجأة، تصبح المدينة محور الخطب، ومنصة الوعود، ووجهة الجولات الميدانية، وكأنها لم تكن موجودة إلا مع اقتراب موعد الاقتراع. وما إن تُطوى صناديق الانتخابات، حتى يعود الصمت، وتختفي الوجوه نفسها التي ملأت الساحات والشوارع بالشعارات والابتسامات.
هذا المشهد لم يعد يثير الاستغراب بقدر ما يعكس أزمة عميقة في العلاقة بين الأحزاب والمواطنين. فالحضور الموسمي للقيادات الحزبية يبعث برسالة واضحة مفادها أن التواصل مع المواطنين لم يعد ممارسة سياسية دائمة، بل أصبح نشاطاً انتخابياً مرتبطاً بحسابات الأصوات أكثر من ارتباطه بالإنصات الحقيقي لانشغالات الناس.
طنجة، باعتبارها إحدى أكبر المدن المغربية وعاصمة اقتصادية للشمال، تواجه تحديات حقيقية تتعلق بالتشغيل، والنقل، والتخطيط الحضري، والخدمات العمومية، والفوارق الاجتماعية. وهي ملفات تستدعي حضوراً سياسياً مستمراً ومواكبة ميدانية طوال الولاية الانتدابية، لا زيارات خاطفة تتزامن مع الحملات الانتخابية.
المفارقة أن بعض الأمناء العامين لا يُعرف لهم أي حضور في المدينة طوال خمس سنوات، ولا يصدر عنهم موقف بشأن قضاياها الكبرى، قبل أن يظهروا فجأة وهم يتحدثون عن هموم الساكنة بلغة الواثق من تفاصيلها. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين كانت هذه الحماسة عندما كانت المدينة تواجه تحدياتها اليومية؟
الرأي العام أصبح أكثر وعياً من أي وقت مضى، ولم تعد الخطب الرنانة أو التجمعات الحاشدة كافية لإقناع الناخبين. فالمواطن اليوم يقيس صدقية السياسي بما قدمه من مواقف ومبادرات وحضور، لا بعدد الزيارات التي يقوم بها خلال الحملة الانتخابية.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب هو أن بعض القيادات تتحدث عن القرب من المواطنين، بينما لا تربطها بالمدينة أي متابعة فعلية خارج المواسم الانتخابية. وكأن العلاقة مع الناخبين تنتهي بمجرد إعلان النتائج، لتبدأ من جديد مع اقتراب موعد استحقاق آخر.
إن العمل السياسي الحقيقي لا يُقاس بعدد المهرجانات الخطابية، بل بمدى الاستمرارية في التواصل والوفاء بالالتزامات. فالثقة تُبنى بالتراكم، لا بالظهور المفاجئ، والاحترام يُكتسب بالحضور الدائم، لا بالزيارات الموسمية.
إن توافد الأمناء العامين إلى طنجة مع اقتراب الانتخابات أصبح مشهداً متكرراً يكشف الحاجة إلى مراجعة عميقة لمفهوم الممارسة السياسية. فالمواطن لم يعد يبحث عن خطابات مؤثرة بقدر ما ينتظر مسؤولين يشاركونه همومه في كل الأوقات، لا فقط عندما يصبح صوته مطلوباً.
لقد آن الأوان لأن تدرك الأحزاب أن السياسة ليست موسماً انتخابياً، بل مسؤولية يومية. وأن احترام ذكاء المواطنين يبدأ بالتواجد بينهم طوال السنوات، لا الاكتفاء بالعودة إليهم كلما اقترب موعد صناديق الاقتراع.
فحين يصبح الظهور السياسي مرتبطاً بالانتخابات وحدها، يصبح الخجل، بالفعل، عملة نادرة.
