أزمة النظافة بطنجة.. هل يجرؤ الليموري على سحب تفويض تدبير القطاع من غيلان ومحاسبة «أرما» و«ميكومار»؟

لم تعد أزمة النظافة التي تعيشها طنجة مجرد اختلال صيفي عابر يمكن تبريره بارتفاع عدد الزوار أو تضاعف حجم النفايات، بعدما تحولت مشاهد الأزبال المتراكمة في عدد من الأحياء والشوارع إلى عنوان لأزمة تدبير حقيقية، تضع جماعة طنجة وشركتي التدبير المفوض أمام مسؤولياتهما، خصوصا بعد توالي التقارير الإعلامية التي كشفت تراجع مستوى الخدمة ووجود ملاحظات حادة لدى مصالح الولاية بشأن تدبير هذا الملف.

والمفارقة أن جماعة طنجة نفسها بدت وكأنها تؤكد حجم المشكلة، بعدما عقدت اجتماعين متقاربين؛ الأول يوم 10 يوليوز برئاسة العمدة منير الليموري، والثاني يوم 17 يوليوز برئاسة نائبه محمد غيلان الغزواني المكلف بالتدبير المفوض، وأعلنت خلالهما تفعيل «المراقبة الصارمة» و«التتبع الميداني اللحظي» وتطبيق الجزاءات وإعادة انتشار الوسائل اللوجستية وتدقيق مسارات شاحنات الجمع. وهي إجراءات تطرح سؤالا بسيطا: إذا كانت ضرورية لضمان احترام دفتر التحملات، فلماذا لم تكن مفعلة بالصرامة نفسها طوال السنوات الماضية، ولماذا انتظرت الجماعة تفاقم الأزمة حتى تعلن البدء الفوري في تطبيقها؟

وتتحمل شركتا «أرما» و«ميكومار»، المفوض إليهما تدبير النظافة بطنجة، جانبا أساسيا من المسؤولية، بالنظر إلى حجم الأموال التي تستخلصانها مقابل خدمة يفترض أن تضمن جمعا منتظما للنفايات ونظافة الشوارع والحاويات والتدخل السريع لمعالجة النقط السوداء. غير أن الواقع الذي يشتكي منه السكان يكشف فجوة واضحة بين الكلفة المالية لهذا المرفق ومستوى الخدمة المقدمة، وهي إشكالية سبق أن حضرت أيضا في ملاحظات وتقارير رقابية تناولت مسألة تناسب الأموال المؤداة لشركات النظافة مع الخدمات المنجزة فعليا وفعالية مراقبة الجماعات لهذه العقود.

وفي خضم هذا الوضع، تتداول معطيات بشأن رغبة شركتي التدبير المفوض في تحيين الجوانب المالية للعقدين والحصول على مبالغ إضافية، وهي معطيات تحتاج إلى توضيح رسمي وشفاف من الجماعة. وإذا صحت هذه المطالب، فإن السؤال يصبح أكثر حساسية: هل التراجع المسجل في مستوى الخدمة مجرد نتيجة لاختلالات في التدبير، أم أن رداءة الخدمة أصبحت، بشكل أو بآخر، وسيلة ضغط للحصول على شروط مالية أفضل؟ وهو سؤال لا يمكن حسمه دون معطيات ووثائق، لكنه يصبح مشروعا أمام أي حديث عن زيادة المقابل المالي في الوقت الذي تتصاعد فيه شكايات السكان من مستوى النظافة.

وأي اتجاه نحو منح الشركتين اعتمادات إضافية قبل تقييم حصيلتهما سيكون قرارا بالغ الخطورة سياسيا وتدبيريا، لأن من غير المنطقي مطالبة ميزانية المدينة بأموال إضافية قبل الكشف عن مدى احترام الالتزامات الحالية. والأولى أن تنشر الجماعة بالأرقام عدد المخالفات المسجلة في حق كل شركة، وقيمة الجزاءات والغرامات التي جرى تطبيقها، وحجم الآليات والموارد البشرية المفترض تعبئتها، ومدى احترام مسارات وتوقيتات الجمع، قبل فتح أي نقاش حول تحيين مالي جديد للعقدين.

لكن تحميل «أرما» و«ميكومار» المسؤولية وحدهما سيكون محاولة للهروب من جوهر المشكلة، لأن الجماعة هي صاحبة المرفق وهي المكلفة بمراقبة تنفيذ العقدين وفرض احترام دفتر التحملات. وهنا تبرز المسؤولية السياسية والتدبيرية لمحمد غيلان الغزواني، النائب الأول للعمدة والمكلف بقطاع التدبير المفوض، والذي يشرف على ملف النظافة منذ سنوات، ما يجعل الحصيلة الحالية مرتبطة مباشرة بالطريقة التي مورست بها مهمة المراقبة والتتبع طوال هذه المدة.

والأزمة الحالية ليست الأولى التي يعرفها القطاع، ولا تراكم النفايات ظهر فجأة في صيف 2026، وهو ما يجعل إعلان غيلان اليوم عن الانتقال إلى «المراقبة الصارمة» يطرح أكثر من علامة استفهام: ماذا كان يحدث قبل ذلك؟ ولماذا لم تفعّل آليات المراقبة والجزاءات بالشكل الذي يمنع الوصول إلى الوضع الحالي؟ وكيف يمكن لمسؤول يشرف على القطاع منذ سنوات أن يقدم اليوم إجراءات يفترض أنها من صميم التدبير اليومي وكأنها بداية جديدة لملف يتولى مسؤوليته منذ مدة طويلة؟

وهنا تبرز مسؤولية العمدة منير الليموري نفسه. فإذا كانت كل المؤشرات الميدانية والتقارير الإعلامية وملاحظات السلطات والاجتماعات الاستعجالية تؤكد أن قطاع النظافة لم يحقق النتائج المطلوبة، فلماذا لا يعيد رئيس الجماعة تقييم التفويض الممنوح لنائبه؟ ولماذا لا يسحب ملف النظافة من محمد غيلان الغزواني ويسنده إلى نائب آخر قادر على ممارسة رقابة أكثر صرامة ومتابعة يومية للشركتين؟ فالتفويض ليس امتيازا دائما، وإنما مسؤولية مرتبطة بالنتائج، ومن الطبيعي أن يخضع للمراجعة عندما تتراكم مؤشرات الفشل.

كما أن تبرير الأزمة بالذروة الصيفية لم يعد مقنعا؛ فطنجة مدينة سياحية تعرف كل سنة ارتفاعا كبيرا في عدد زوارها خلال يوليوز وغشت، وبالتالي فإن تضاعف كمية النفايات ليس مفاجأة إدارية. وكان يفترض أن توضع خطة الصيف قبل الموسم، وأن تعزز الآليات والعمال والحاويات مسبقا، لا أن تنتظر الجماعة تراكم النفايات وتصاعد غضب السكان ثم تعقد اجتماعات لإعادة توزيع الشاحنات وإعلان الاستنفار.

إن أزمة النظافة في طنجة تحتاج اليوم إلى المحاسبة أكثر مما تحتاج إلى بلاغات جديدة: محاسبة الشركتين إذا ثبت إخلالهما بالعقد، ورفض أي زيادة مالية لا تقابلها خدمة أفضل، والكشف عن حقيقة أي مفاوضات لتحيين العقدين، وفي المقابل تقييم مسؤولية المنتخب المفوض له القطاع. وإذا كانت الجماعة تريد فعلا إقناع سكان طنجة بأن مرحلة جديدة بدأت، فإن ذلك لن يتحقق بالحديث عن «المراقبة الصارمة»، بل بتطبيقها فعليا، وبامتلاك العمدة الجرأة على تغيير المسؤول عن القطاع عندما تثبت الحصيلة أن سنوات التدبير لم تنتج مستوى الخدمة الذي تستحقه المدينة.

زر الذهاب إلى الأعلى