بعد سنوات من الإقامة في إسبانيا.. عمدة سابق يعود إلى طنجة لنصرة “ابن قبيلته” نحو البرلمان وجس نبض العودة إلى كرسي العمودية

لا حديث في كواليس السياسة بطنجة هذه الأيام إلا عن عمدة سابق للمدينة، عاد من “منفاه الاختياري” بإسبانيا بعد سنوات من الابتعاد، ليشرع، وفق معطيات متطابقة، في عقد لقاءات مكثفة مع أعيان ومعارف قدامى ووجوه اعتادت التحرك في كواليس الاستحقاقات، ومن بينها من يصطلح عليهم بـ”سماسرة الانتخابات”. عودة لم تكن، على ما يبدو، بدافع الحنين إلى المدينة، وإنما في إطار تحركات تستهدف حشد الدعم لمرشح الحزب الذي سبق للرجل أن تولى باسمه عمودية طنجة، والذي تجمعه به، فوق ذلك، روابط قبلية.
عمدة سابق لطنجة لم يعد، إذن، ليستكشف ما تغير في المدينة منذ مغادرته، ولا ليتفقد ما آلت إليه مناطق خضراء زحف عليها الإسمنت، ولا ليستعيد النقاش حول العمارات الشاهقة والتحولات العمرانية التي أثارت الكثير من الجدل خلال سنوات وجوده على رأس الجماعة. فالطنجاويون لم ينسوا بسهولة مرحلة تدبير رافقتها انتقادات وصراعات وملفات مثيرة للجدل، بينما يبدو أن صاحبها اختار هذه المرة تجاوز “ذاكرة الحصيلة” والانتقال مباشرة إلى ذاكرة أكثر فائدة في موسم الانتخابات: دفتر الأرقام القديم، حيث ما تزال أسماء الأعيان والمعارف وأصحاب التأثير الانتخابي تحتفظ بمكانها.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن الهدف الأساسي من هذه التعبئة هو مساعدة المرشح على الظفر بأحد المقاعد البرلمانية الخمسة المخصصة لدائرة طنجة-أصيلة، في وقت لا يبدو فيه أن الرجل يمتلك، حتى الآن، امتداداً شعبياً يوازي طموحه الانتخابي. فشبكة علاقاته الاجتماعية والسياسية تبدو محدودة، وحضوره وسط شرائح واسعة من الناخبين لا يمنحه أفضلية واضحة، كما أن قدرته على التواصل وبناء العلاقات لا تبدو نقطة قوته الرئيسية. وإذا ترك المرشح لتدبير معركته بأدواته الشخصية وحدها، فإن الوصول إلى البرلمان قد يتحول إلى مهمة شديدة الصعوبة، وهو ما يفسر حجم الاستنفار المبكر المحيط به.
وهنا ظهر ما يشبه “فريق الإنقاذ”: أعيان الحزب، أصحاب النفوذ الانتخابي، روابط قبلية، وجوه تعرف جيداً حسابات الصناديق، ثم عمدة سابق لطنجة أعاد فتح أجندته بعد سنوات من الإقامة بإسبانيا. والرسالة التي تقدمها هذه التعبئة تبدو أوضح من أن تحتاج إلى شرح؛ فحين لا تكفي شعبية المرشح، يصبح مطلوباً البحث عن شعبية الآخرين، وحين تضيق شبكة علاقاته، تستعار شبكات الأعيان، وحين تصبح الطريق إلى البرلمان وعرة، يتم استدعاء رجل خبر الانتخابات والعمودية وأبوابها الخلفية لعل مفاتيح الأمس لا تزال قادرة على فتح أبواب اليوم.
غير أن تحركات عمدة سابق لطنجة لا تخلو بدورها من دلالات تتجاوز “إنقاذ” حظوظ ابن القبيلة. فالرجل الذي عاش سنوات بعيداً عن المغرب عاد ليجد نفسه مجدداً وسط الأعيان والمعارف والحسابات الانتخابية، قبل نحو سنة فقط من استحقاقات جماعية ستعيد خلط أوراق المدينة. وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً داخل الأوساط السياسية: هل يؤدي الرجل مهمة محدودة تنتهي بإيصال مرشح حزبه إلى البرلمان، أم أنه وجد في المهمة فرصة مثالية لجس نبض طنجة واختبار ما إذا كان رصيده القديم من العلاقات والنفوذ ما يزال صالحاً للاستعمال؟
وبين مرشح يحتاج إلى من يصنع له شبكة انتخابية، وأعيان يجري استنفارهم، و”سماسرة انتخابات” يعودون إلى الواجهة كلما اقترب موعد الصناديق، يبدو أن عمدة سابق لطنجة لم يحتج بعد سنوات إسبانيا إلى كثير من الوقت لاستعادة عاداته السياسية القديمة. المدينة تغيرت، وخرائطها العمرانية تغيرت، وموازينها الحزبية تغيرت أيضاً، لكن شيئاً واحداً يبدو أنه ظل محفوظاً بعناية: دفتر الأرقام. أما السؤال الذي قد يقلق أكثر من طرف، فهو ما إذا كان الرجل قد فتح هذا الدفتر فقط من أجل “ابن القبيلة”… أم أنه بدأ، بالمناسبة، يقلب صفحاته بحثاً عن اسمه هو أيضاً.
