حدائق طنجة العمومية.. عندما تتحول المساحات الخضراء إلى نزاعات مع ملاك العقارات

تطرح مشاريع إحداث الحدائق والمساحات الخضراء بمدينة طنجة مفارقة لافتة بين الرغبة في توسيع المجالات الخضراء وتحسين جودة الحياة داخل الأحياء السكنية، وبين واقع عقارات خاصة وجدت نفسها، وفق معطيات مرتبطة بملفات قضائية، داخل مشاريع عمومية دون أن تتم تسوية وضعيتها العقارية والمالية بشكل نهائي.
وتكشف عدد من قضايا التنفيذ والحجز ضد جماعة طنجة عن نزاعات مرتبطة باقتطاع أجزاء من رسوم عقارية مملوكة لخواص وتخصيصها لإنجاز حدائق وممرات خضراء ومشاريع ذات طابع عمومي، خاصة بمناطق من بينها طنجة البالية وطريق الرباط. وهي ملفات لم تتوقف عند حدود الخلاف حول الملكية، بل تحولت في بعض الحالات إلى أحكام قضائية وإجراءات تنفيذية ترتب عنها تحميل ميزانية الجماعة مبالغ مالية مهمة.
وتبرز ضمن هذه الملفات قضية شركة «ميداطكو»، التي صدر لفائدتها حكم قضائي بتعويض قدره حوالي 122.5 مليون درهم، مقابل نقل ملكية عقار خصصته الجماعة لأعمال التشجير والغرس، وهو مبلغ يكشف حجم الكلفة التي يمكن أن تترتب عن تأخر تسوية الوضعية القانونية للعقارات التي تدخل ضمن مشاريع التهيئة والمساحات الخضراء.
وتكمن الإشكالية في أن إدراج عقار ضمن وثائق التعمير باعتباره مساحة خضراء أو ممراً أو مرفقاً عمومياً لا يعني بالضرورة انتقال ملكيته إلى الجماعة. فالملكية الخاصة تظل قائمة ما لم تستكمل المساطر القانونية المتعلقة بالاقتناء أو نزع الملكية مقابل التعويض المستحق، وهو ما يجعل أي استعمال فعلي للعقار قبل تسوية وضعيته عرضة للنزاع القضائي.
وبينما تعتبر الحدائق والمساحات الخضراء جزءاً أساسياً من التخطيط الحضري الحديث، فإن إنجازها فوق عقارات لم تُحسم ملكيتها قد يحول مشروعاً يفترض أن يخدم المصلحة العامة إلى مصدر لنزاع طويل بين الجماعة والملاك، فضلاً عن احتمال ارتفاع الكلفة المالية كلما طال أمد النزاع وتأخر تنفيذ الأحكام.
وتثير هذه الملفات في المقابل سؤالاً حول طريقة تدبير العقارات المخصصة للمشاريع العمومية، ومدى التنسيق بين وثائق التعمير والبرمجة المالية والمساطر القانونية المتعلقة بالملكية الخاصة. فالمطلوب ليس الاختيار بين الحق في المساحات الخضراء وحق الملكية، وإنما ضمان تنفيذ مشاريع التهيئة في إطار قانوني واضح يحمي الطرفين.
كما أن انتقال النزاع إلى مرحلة الحجز على حسابات الجماعة يطرح بعداً آخر يتعلق بحماية المال العام، إذ إن عدم تسوية العقار في الوقت المناسب قد يؤدي في النهاية إلى تحمل الجماعة مبالغ أكبر من القيمة التي كان يمكن أن تكلفها التسوية المبكرة، وهو ما يجعل تدبير النزاعات العقارية جزءاً من الحكامة المالية وليس مجرد ملف قانوني.
وفي مدينة تعرف توسعاً عمرانياً متسارعاً وارتفاعاً مستمراً في الحاجة إلى الحدائق والفضاءات المفتوحة، تفرض هذه الملفات سؤالاً أساسياً على صناع القرار المحلي: هل يتم التخطيط للمساحات الخضراء أولاً ثم البحث عن ملكية العقار وتمويله لاحقاً، أم أن احترام الملكية وتسوية الوضعية القانونية والمالية يجب أن يسبق تحويل العقار إلى فضاء عمومي؟
فالحديقة التي يحتاجها السكان يجب ألا تتحول إلى عبء قضائي ومالي على الجماعة، كما أن المصلحة العامة لا ينبغي أن تكون مبرراً لتجاوز حقوق الملاك. وبين هذين الاعتبارين، يبقى التحدي الحقيقي أمام طنجة هو بناء سياسة عمرانية توسع المساحات الخضراء، لكن دون أن تترك وراءها سلسلة جديدة من الأحكام القضائية والحجوزات التي يدفع ثمنها المال العام.
