أزمة المحامين مستمرة.. “جمعية هيئات المحامين بالمغرب” تتمسك بالتوقف وتحمل الحكومة مسؤولية شلل المحاكم

أكد رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن أزمة قانون مهنة المحاماة لم تنته بنشر النص ودخوله حيز التنفيذ، محملا الحكومة المسؤولية السياسية والمؤسساتية عن الوضع الذي وصلت إليه الأزمة وتداعياتها على المهنة ومرفق العدالة والمتقاضين.
وجاء ذلك في كلمة ألقاها رئيس الجمعية خلال الندوة الصحفية التي عقدتها مساء اليوم الخميس 10 شتنبر بالرباط، بحضور رؤساء ونقباء ومحامين وممثلي وسائل الإعلام، حيث اعتبر أن ما جرى حول قانون المهنة تجاوز مجرد خلاف بين المحامين والحكومة بشأن نص تشريعي، ليطرح، بحسبه، أسئلة مرتبطة بطريقة صناعة القرار وقيمة الالتزام المؤسساتي ومكانة الاختلاف داخل دولة المؤسسات.
وأوضح رئيس الجمعية أن المحاماة دخلت مسار إعداد قانون مهنتها باعتبارها شريكا في إصلاح العدالة، وقدمت مذكراتها ومقترحاتها وبدائلها، وخاضت حوارا مؤسساتيا امتد إلى مستوى رئاسة الحكومة، وانتهى إلى توافقات اعتبرتها الهيئات المهنية التزاما مؤسساتيا، قبل أن يتبين، وفق تعبيره، أن “ما استقر عليه الحوار لم يستقر عليه القانون”.
وشدد المتحدث على أن اعتراض المحامين لا يتعلق برفض الرقابة أو التخليق أو تحديث المهنة، مؤكدا أن الجسم المهني يدعم الشفافية والمساءلة وتجديد المؤسسات، بينما يرتبط جوهر الخلاف بمقتضيات يعتبرها ماسة بالتنظيم الذاتي للهيئات واستقلال المحاماة، إلى جانب توسيع مجالات التدخل الحكومي في شؤونها، وقضايا ولوج المهنة وتكوين أعضائها ومجال عمل المحامي وشروط حضور المكاتب الأجنبية وما يرتبط بحصانة الدفاع.
واعتبر رئيس الجمعية أن استقلال المحاماة وحصانة الدفاع لا يمثلان امتيازا مهنيا للمحامين، بل يشكلان ضمانة للمواطن عندما تكون حريته أو أمواله أو حقوقه في مواجهة سلطة أو إدارة أو اتهام، مؤكدا أن المحاماة تريد إصلاحا يجعلها أكثر حداثة ورقمنة وصرامة في أخلاقياتها، دون أن يؤدي ذلك إلى المساس بطبيعتها واستقلالها.
وتوقف رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، خلال كلمته، عند المسار الذي عرفه القانون أمام المحكمة الدستورية، بعدما تعذر البت فيه، معتبرا أن هذه المحطة أبقت أسئلة جوهرية دون جواب. وأكد أن المحامين لم يطلبوا إحالة القانون على المحكمة الدستورية ولا تملك هيئاتهم مباشرة ذلك، وإنما أثاروا أسئلة دستورية قبل أن تختار مؤسسة دستورية فتح باب الرقابة، وهو الباب الذي “فتح ولم يعبر”، وفق تعبيره.
وفي حديثه عن نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ، أكد رئيس الجمعية أن ذلك لم يضع حدا للأزمة، مشددا على أن المحامين لم يبدأوا احتجاجهم بعد نشر النص، وإنما بلغ القانون هذه المرحلة بينما كانت الأزمة والتوقف عن تقديم الخدمات المهنية قائمين وأسباب الاعتراض معلنة. وقال في هذا السياق إن القانون “ولد من أزمة وحمل علتها معه”، معتبرا أن اكتسابه القوة القانونية لا يعني حصوله على القبول المهني.
وأقر رئيس الجمعية بالكلفة التي خلفها استمرار الأزمة، سواء بالنسبة للمحامين أو لمرفق العدالة والمتقاضين، مشيرا إلى أن الجسم المهني تحمل ثمنا مهنيا وماديا وإنسانيا كبيرا، وأن المتقاضين والعدالة تحملوا بدورهم جزءا مؤلما من هذه الكلفة. لكنه دعا إلى عدم فصل هذه النتائج عن أسبابها، متسائلا عن الظروف التي أوصلت مهنة عريقة بمؤسساتها المنتخبة إلى اعتبار التوقف عن العمل وسيلة للدفاع عن مقوماتها.
وحمل رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب الحكومة المسؤولية بشكل مباشر عما آلت إليه الأوضاع، قائلا إنها “أخفقت في تدبير قانون بمكانة قانون المحاماة”، وإن تدبيرها للملف انتهى إلى أزمة “أنهكت المهنة وأثقلت العدالة وأضرت بالمتقاضين”، معتبرا أنها تتحمل مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية كاملة عن ذلك.
وفي المقابل، شدد المتحدث على أن موقف المحامين لا يشكل مواجهة مع الدولة، مؤكدا أن “الاختلاف مع حكومة ليس اختلافا مع الدولة”، وأن مساءلة مسار مؤسساتي لا تعني الخروج على المؤسسات، مستحضرا الدور التاريخي للمحاماة المغربية في الدفاع عن الحقوق وخدمة العدالة والقضايا الوطنية.
وأكد رئيس الجمعية، في ختام كلمته، أن نشر القانون لم يغلق أبواب معالجة الأزمة، داعيا مؤسسات الدولة إلى الاضطلاع بأدوارها، كل من موقعها وفي نطاق اختصاصها، من أجل إيجاد مخرج يعيد التوازن إلى العدالة ويمكن المحاماة من العودة إلى رسالتها.
وشدد على أن جمعية هيئات المحامين بالمغرب لا تبحث عن خصم ولا تسعى إلى تحقيق انتصار على أي طرف، وإنما تريد حلا يحفظ استقلال المهنة وحصانة الدفاع، معتبرا أن الأزمة بلغت مرحلة أصبحت معها معالجتها “مسؤولية مؤسساتية”، وصولا إلى حل، وفق تعبيره، “يليق بالمحاماة، ويليق بالعدالة، وقبل ذلك وبعده، يليق بالمغرب”.
