هل سينزل ليموري لدعم مرشح حزبه؟.. هل يمر بين أكوام الأزبال والأزقة المظلمة والحفر والازدحام أم يختار مهرجاناً خطابياً أمام بحيرة الرهراه؟

مع انطلاق الحملة الانتخابية، يستعد حزب الأصالة والمعاصرة بطنجة للنزول إلى الميدان بحثاً عن أصوات الناخبين، وفي مقدمة من يُنتظر حضورهم منير ليموري، ليس فقط باعتباره واحداً من أبرز وجوه الحزب بالمدينة، وإنما أيضاً بصفته أمينه الإقليمي ورئيس مجلس جماعة طنجة.

ولعل وجود ليموري سيكون مفيداً جداً لوكيل لائحة “البام” عبد اللطيف الغلبزوري. فالحملة في مدينة بحجم طنجة ليست نزهة، والمرشح الذي يريد طرق أبواب الناخبين يحتاج إلى دليل يعرف الأزقة، ويميز بين طرقها ومسالكها، ويعرف أين تبدأ الأحياء وأين تنتهي، وأين يمكن للموكب أن يمر بسهولة وأين يستحسن أن يخفف السرعة. ومن يستطيع القيام بهذه المهمة أفضل من عمدة يدبر المدينة منذ سنوات؟

غير أن المشكلة أن الجولة نفسها قد تتحول، دون تخطيط مسبق، من حملة للتعريف بالمرشح إلى جولة للتعريف بحصيلة العمدة.

فمن أين سيبدأ ليموري جولته رفقة وكيل لائحة حزبه؟

هل سيقوده أولاً إلى الأحياء التي أصبحت صور الأزبال المتراكمة فيها مادة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هناك لن يحتاج السكان إلى كثير من المنشورات الانتخابية. قد يكفي أن يتوقف الموكب أمام حاوية مترعة، بينما تمتد الأكياس حولها وتفوح الروائح الكريهة، ليصبح أول سؤال في الحملة جاهزاً قبل أن يخرج مكبر الصوت من السيارة: “وماذا عن هذه؟”.

والمفارقة أن قطاع النظافة ليس ملفاً بعيداً عن الجماعة يمكن للعمدة أن يحيله على وزارة أو إدارة أخرى؛ إنه من صميم الخدمات الجماعية. والأكثر إحراجاً أن الجماعة سبق أن تحدثت عن تشديد المراقبة والتتبع، قبل أن تعود صور النفايات والنقط السوداء بقوة إلى واجهة النقاش المحلي. وهكذا قد يجد مرشح “البام” نفسه يستمع في أولى جولاته إلى برنامج انتخابي من نوع آخر، يكتبه المواطنون بأكياس الأزبال المتراكمة أمام بيوتهم.

وإذا رأى العمدة أن المرور نهاراً وسط هذه المشاهد قد لا يكون أفضل افتتاح للحملة، فيمكنه دائماً اختيار النزول ليلاً.

لكن هنا تظهر مشكلة أخرى: الإنارة العمومية.

فبعض الأزقة والشوارع التي عاشت على وقع المصابيح المنطفئة والأعطاب قد تمنح الحزب حملة أكثر هدوءاً مما ينبغي، وربما أكثر ظلاماً أيضاً. ومع تعدد الاختلالات المرتبطة بالإنارة العمومية، سيكون من الحكمة أن يصطحب فريق الحملة مصابيح هواتفه، ليس فقط لتصوير المرشح، بل احتياطاً لإكمال الجولة.

وقد يكون الحديث عن “مستقبل مشرق” في زقاق مظلم واحداً من أصعب الاختبارات البلاغية التي يمكن أن تواجه أي حملة انتخابية.

أما إذا قرر ليموري أن الأفضل هو اصطحاب وكيل اللائحة في سيارة والجولان عبر الشوارع الكبرى، فإن طنجة تحتفظ لهما باختبار ثالث: السير والجولان.

يكفي اختيار توقيت غير مناسب، والدخول إلى واحد من المحاور التي تعرف ضغطاً مرورياً، حتى تتحول الجولة الانتخابية إلى جلسة طويلة داخل السيارة. عندها سيكون أمام المرشح متسع من الوقت للتعرف أكثر على المدينة، سيارة وراء سيارة، وإشارة ضوئية بعد أخرى، بينما ينتظر الناخبون وصول الحملة التي علقت في الطريق.

وربما يكون للازدحام جانب إيجابي بالنسبة لوكيل اللائحة؛ فهو يمنحه فرصة أطول للحديث مع العمدة عن مشاكل طنجة قبل الوصول إلى المواطنين.

وإذا تحرك الموكب أخيراً، فعلى السائق أن ينتبه جيداً.

فالحفر والطرق المتضررة والأوراش التي تطول أكثر مما ينتظره السكان يمكن أن تجعل الرحلة أكثر إثارة. وفي السياسة عادة ما يخشى المرشح منافسيه، أما في بعض شوارع طنجة فقد يكون من المفيد أيضاً أن يخشى حفرة تظهر فجأة أمام عجلات سيارة الحملة. عندها لن تكون الحفرة مجرد عيب في الطريق، بل قد تتحول هي الأخرى إلى “مداخلة غير مبرمجة” في مهرجان الحزب.

وإذا ضاق المرشح بالسيارة والازدحام والحفر، يمكن للعمدة أن يقترح عليه النزول والمشي.

لكن أين؟

فالأرصفة في عدد من مناطق طنجة لم تعد دائماً ملكاً خالصاً للراجلين. طاولات وكراسٍ وسلع وتجهيزات وامتدادات تجارية تحتل أجزاء من الملك العمومي، حتى أصبح المار في بعض المواقع يبحث عن مكان لقدميه، وقد يجد نفسه مضطراً إلى النزول إلى قارعة الطريق حتى يواصل سيره.

وهنا قد يعيش وكيل اللائحة تجربة ميدانية مفيدة: يحاول الوصول إلى المواطن عبر الرصيف، فيكتشف أن الرصيف نفسه يحتاج إلى من يعيده إلى المواطن.

ويمكن للعمدة، تفادياً لكل ذلك، أن يقترح فضاءً مفتوحاً لتنظيم تجمع خطابي كبير. وربما تكون بحيرة الرهراه خياراً مناسباً من حيث المساحة والرمزية.

لكن حتى هناك، ستجد الحملة ملفاً ينتظرها.

فالمشروع الذي كان يفترض أن يشكل متنفساً حضرياً تحول، بعد ظهور تشققات وانهيارات وانجرافات وتعثر إعادة التأهيل، إلى موضوع مساءلة وانتقاد. وهكذا قد يجد العمدة نفسه أمام خيار طريف: أن يقف إلى جانب مرشح حزبه للحديث عن مشاريع المستقبل، وأمامه مشروع من الماضي لا يزال يسأل عن مستقبله.

والمشكلة بالنسبة إلى منير ليموري أن صفته الحزبية لن تستطيع خلال هذه الحملة الانفصال بسهولة عن صفته التدبيرية.

فهو حين يطلب من الطنجاويين دعم مرشح “الأصالة والمعاصرة”، لن يقف أمامهم فقط بصفته الأمين الإقليمي للحزب، بل أيضاً باعتباره الرجل الذي يوجد على رأس مجلس المدينة. لذلك، فإن كل شارع سيمر منه قد يحمل جزءاً من حصيلته، وكل حي يدخله قد تكون له قصة مع خدمة جماعية، وكل مواطن يصافحه قد يحمل سؤالاً لا علاقة له بالبرنامج الانتخابي الجديد، بل بما تحقق من الوعود القديمة.

أما وكيل اللائحة، فقد تكون جولته مع العمدة فرصة استثنائية لاكتشاف طنجة من زاوية لا توفرها الاجتماعات الحزبية ولا منصات الخطابة.

سيتعرف على طنجة الحاويات الممتلئة، وطنجة المصابيح المنطفئة، وطنجة الازدحام، وطنجة الحفر، وطنجة الأرصفة المحتلة، وربما يتعرف في الطريق أيضاً على طنجة التي لا تظهر كثيراً في الصور الرسمية.

وحينها قد تصبح المفارقة مكتملة: جاء العمدة إلى الشارع ليقدم للناس مرشح حزبه، فإذا بالشارع يقدم للعمدة حصيلته.

لهذا قد لا تكون أصعب مهمة أمام ليموري خلال الحملة هي إقناع الطنجاويين بالتصويت لوكيل لائحة “البام”، بل اختيار الطريق الذي سيسلكه للوصول إليهم.

هل يمر من شارع مزدحم أم طريق محفرة؟ هل يدخل زقاقاً مظلماً أم حياً تحاصر حاوياته النفايات؟ هل يمشي فوق رصيف أم يبحث، مثل الراجلين، عن جزء منه لم يحتله أحد؟

أسئلة كثيرة، والحملة قصيرة.

وفي الانتخابات يمكن للحزب أن يختار مرشحه، وأن يصمم شعاره، وأن يحدد مكان مهرجانه، وأن يرسم بعناية مسار جولاته الانتخابية.

لكن هناك شيئاً واحداً لن يستطيع منير ليموري اختياره خلال هذه الحملة: “المدينة التي سينزل إليها للدفاع عن مرشح حزبه”، لأنها ببساطة طنجة التي يرأس مجلسها منذ سنوات.

زر الذهاب إلى الأعلى