“الإعلام وصناعة المحتويات الرقمية”.. ماستر جديد بتطوان يربط التكوين الصحفي بالسردية المغربية والذكاء الاصطناعي

تعزز العرض الأكاديمي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، باعتماد ماستر جديد يحمل اسم “الإعلام وصناعة المحتويات الرقمية”، برسم الموسم الجامعي 2026-2027، في خطوة تستجيب للتحولات المتسارعة التي يشهدها المجال الإعلامي بفعل الرقمنة، وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتغير أنماط إنتاج المضامين وتداولها واستهلاكها.
ويتولى التنسيق البيداغوجي لهذا المسار الدكتور محمد العناز، أستاذ النقد الأدبي والفني بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، وهو شاعر وناقد وباحث راكم حضوراً في المشهدين الأكاديمي والثقافي، من خلال عدد من المؤلفات والدراسات والأعمال العلمية والإبداعية المرتبطة بالصورة والسرد والعلاقة بين الأدب والفنون، إلى جانب مشاركاته في ملتقيات علمية وثقافية داخل المغرب وخارجه. كما حظيت تجربته النقدية والشعرية بعدد من الجوائز والتتويجات، بما يعكس امتداد اشتغاله بين البحث الجامعي والكتابة الإبداعية.
وينطلق الماستر من تصور لا يختزل التحول الرقمي في تعلم الأدوات التقنية أو اكتساب مهارات تشغيل المنصات، بل يربطه بأسئلة المحتوى والمعنى والمرجعية الثقافية. فالإعلام الرقمي لم يعد مجالاً محايداً لنقل الأخبار والمعلومات، وإنما أصبح فضاءً تتنافس داخله الدول والمؤسسات على بناء الصورة وصياغة السرديات والتأثير في الوعي والذاكرة والتمثلات الجماعية.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور محمد العناز أن التكوين يروم الإسهام في ربط الجامعة بمحيطها الثقافي والإعلامي والاقتصادي، وتشجيع الطلبة على المبادرة وريادة الأعمال في مجالات الإعلام والصناعات الثقافية والإبداعية، بما يجعل الثقافة مورداً للإبداع وفرص الشغل وخلق القيمة، من دون اختزالها في بعدها التجاري أو فصلها عن رسالتها المعرفية والهوياتية.
ويهدف الفريق البيداغوجي، وفق التصور المؤطر للماستر، إلى تكوين جيل جديد من الكفاءات القادرة على الجمع بين المعرفة الإنسانية والثقافية، والمهارات الإعلامية، والكفايات التقنية والرقمية. ولهذا صُممت هندسة التكوين وفق مقاربة تمزج بين التأطير الأكاديمي والممارسة التطبيقية، حتى يتمكن الطالب من الانتقال من استيعاب الفكرة وتحليلها إلى صياغتها وإنتاجها في صورة مادة مكتوبة أو سمعية أو بصرية، ثم نشرها وتوزيعها والتواصل بشأنها مع الجمهور.
وتشمل الوحدات المكونة لهذا المسار مجالات الإعلام والمعرفة التاريخية، والأجناس الصحفية وصناعة المحتوى، والسيميائيات واللغة الإعلامية، والسرديات الإعلامية، والتواصل الرقمي في عصر المنصات، والثقافة الإنجليزية، والإعلام والذكاء الاصطناعي. كما يمتد التكوين إلى الصورة والصوت وكتابة السيناريو، وتحليل الخطاب الإعلامي، ومنهجية البحث، وأخلاقيات الصحافة وقوانينها، والنشر الرقمي، والنقد الفني والثقافي، والفنون الرقمية والتصميم البصري، ومنصات صناعة المحتوى وتصميم المواقع الثقافية، والمونتاج والإخراج، وفن الخطابة وآليات الإقناع، إلى جانب الثقافة المقاولاتية وتدبير المشاريع.
ويحتل مفهوم “السردية المغربية الوطنية” موقعاً مركزياً داخل الرؤية الفكرية والثقافية للماستر. ويقصد به، وفق الدكتور العناز، تمكين الشباب المغربي من رواية المغرب من داخله، انطلاقاً من ذاكرته وتاريخه وقيمه وتعدده الحضاري وتحولاته المعاصرة، وبأساليب حديثة قادرة على مخاطبة الجمهور المغربي والدولي في الوقت نفسه. ولا يتعلق الأمر بإنتاج خطاب منغلق حول الذات، وإنما بإعادة قراءة الرصيد الثقافي المغربي وتقديمه في صور وأصوات وقصص وتجارب رقمية مؤهلة للتداول داخل فضاء إعلامي عالمي شديد التنافس.
ويستند هذا التوجه إلى ما يختزنه المغرب من رأسمال لامادي غني لا يقتصر على المعالم والمخطوطات والمواقع التاريخية، بل يشمل أيضاً الذاكرة الجماعية، والحكايات المحلية، والفنون والآداب والموسيقى والعمارة والصناعات التقليدية، فضلاً عن التعدد اللغوي والثقافي. وتتيح البيئة الرقمية إمكانات جديدة لتثمين هذا الرصيد؛ إذ يمكن تحويل حكاية محلية إلى فيلم قصير أو قصة تفاعلية، واستثمار موروث موسيقي في بودكاست أو مشروع سمعي بصري، أو بناء منصة رقمية انطلاقاً من ذاكرة مدينة أو قرية أو شخصية تاريخية.
ويطمح الماستر، في هذا الإطار، إلى تمكين الطلبة الباحثين من تحويل عناصر الثقافة والذاكرة المغربية إلى مشاريع رقمية قابلة للإنتاج والتوزيع والتسويق، من قبيل الأفلام والوثائقيات القصيرة، والبودكاست، والمنصات الرقمية، والقصص التفاعلية، والمشاريع الصحفية، والحملات التواصلية، والمحتويات الموجهة إلى شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب منتجات ثقافية وإبداعية تستفيد من الإمكانات التي توفرها التقنيات الحديثة.
ولا يحضر الذكاء الاصطناعي ضمن هذا المسار باعتباره مجرد مجموعة من التطبيقات، بل بوصفه تحولاً يفرض إعادة التفكير في طرق إنتاج المحتوى وفي المسؤوليات المهنية والأخلاقية المرتبطة به. فإلى جانب الاستفادة من إمكاناته في التحرير والترجمة والتحليل والتصميم وإنتاج المواد السمعية البصرية، يقتضي توظيفه امتلاك القدرة على التحقق من المعلومات، واحترام حقوق المؤلف، وإدراك حدود المساعدة الآلية، والمحافظة على موقع الإبداع الإنساني داخل العملية الإعلامية.
ويعكس إطلاق ماستر “الإعلام وصناعة المحتويات الرقمية” تحولاً في موقع العلوم الإنسانية داخل البيئة التكنولوجية الجديدة؛ فصناعة المحتوى لا تقوم على التقنية وحدها، مثلما أن دراسة الثقافة لا ينبغي أن تظل منفصلة عن وسائط العصر. ومن هذه المساحة المشتركة يبني التكوين هويته الأكاديمية، واضعاً اللغة والتاريخ والسرد والتحليل النقدي إلى جانب الصورة والصوت والمنصات والخوارزميات، في أفق تكوين كفاءات قادرة على إنتاج محتوى مغربي ذي قيمة معرفية وثقافية، والمساهمة في تقديم صورة المملكة داخل الفضاء الرقمي العالمي.
