اكزناية بين مرحلتين: من تدبير أحمد الإدريسي إلى رئاسة محمد بولعيش… هل تغيّر ميزان القوة أمام لوبي العقار؟

يشهد المشهد العمراني بجماعة اكزناية، بضواحي طنجة، تحولات عميقة تثير نقاشاً متزايداً حول تأثير لوبيات العقار على الحياة اليومية للساكنة، خاصة عند المقارنة بين مرحلتين مختلفتين في تدبير الشأن المحلي: فترة أحمد الإدريسي، الرئيس السابق للجماعة، ومرحلة محمد بولعيش، الرئيس الحالي. وهي مقارنة تفرض نفسها بقوة في ظل تسارع وتيرة البناء واتساع رقعة المشاريع السكنية، مقابل استمرار شكاوى المواطنين من اختلالات بنيوية.
خلال فترة أحمد الإدريسي، كان التوسع العمراني يتم بوتيرة أبطأ، في سياق كانت فيه اكزناية لا تزال تحتفظ بجزء من طابعها شبه القروي. ورغم محدودية الإمكانيات آنذاك، يرى بعض المتتبعين أن تدبير المجال العمراني كان أقل خضوعاً لمنطق الضغط العقاري، حيث ظلت الأراضي في متناول عدد من الأسر، ولم يكن منسوب المضاربة قد بلغ مستوياته الحالية. غير أن تلك المرحلة لم تكن خالية من الإشكالات، خصوصاً على مستوى التخطيط وضعف التجهيزات الأساسية، ما جعل الجماعة غير مهيأة لاستقبال التحولات اللاحقة.
مع وصول محمد بولعيش إلى رئاسة الجماعة، دخلت اكزناية مرحلة جديدة اتسمت بتسارع غير مسبوق في وتيرة التعمير، مدفوعة بموقعها الاستراتيجي وقربها من طنجة الكبرى، وهو ما جعلها وجهة مفضلة للمنعشين العقاريين. هذا التحول فتح الباب أمام استثمارات كبرى، لكنه في المقابل زاد من حدة الضغط على الساكنة، التي باتت تشعر بأن المجال يُعاد تشكيله وفق منطق السوق أكثر من حاجيات المواطنين.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن المرحلة الحالية كشفت بشكل أوضح عن قوة لوبي العقار، الذي أصبح فاعلاً مؤثراً في توجهات التعمير، سواء من خلال تغيير استعمالات الأراضي أو تسريع وتيرة الترخيص لمشاريع سكنية، في وقت لم تواكبه بالقدر الكافي بنية تحتية قادرة على استيعاب هذا الزخم. وهو ما انعكس في الاكتظاظ، وتراجع جودة الخدمات، وارتفاع كلفة العيش داخل الجماعة.
إن المقارنة بين المرحلتين لا تهدف إلى تبرئة مرحلة أو إدانة أخرى، بقدر ما تسعى إلى إبراز التحول في طبيعة الإشكال. ففي عهد أحمد الإدريسي، كان التحدي مرتبطاً بضعف التخطيط وقلة الموارد، بينما في عهد محمد بولعيش أصبح التحدي أكبر وأكثر تعقيداً، ويتعلق بكيفية ضبط التوازن بين تشجيع الاستثمار العقاري وحماية حقوق الساكنة، ومنع تغول المصالح الخاصة على القرار المحلي.
ويجمع عدد من الفاعلين المحليين على أن السؤال الحقيقي اليوم ليس من كان المسؤول بالأمس أو اليوم، بل كيف يمكن تصحيح المسار مستقبلاً، عبر تفعيل وثائق تعمير شفافة، وربط التنمية العمرانية بإحداث مرافق عمومية حقيقية، وضمان استفادة الساكنة الأصلية من ثمار التحول الذي تعرفه اكزناية. فبدون ذلك، سيظل الإحساس سائداً لدى المواطنين بأنهم يعيشون تحت ضغط لوبي عقاري يتغير الفاعلون فيه، لكن آثاره تبقى واحدة.
