30 مليار سنتيم سنويا لـ”أرما” و”ميكومار” لتنظيف طنجة.. العمال يحتجون والأحياء تغرق في النفايات فأين تذهب الملايير؟

تضع الاحتجاجات المتكررة لعمال النظافة، بالتوازي مع تصاعد شكاوى المواطنين من تردي الخدمة بعدد من أحياء طنجة، شركتي “أرما” و”ميكومار”، المفوض لهما تدبير قطاع النظافة بالمدينة، أمام مفارقة يصعب تجاهلها: قرابة 30 مليار سنتيم سنويا ترصد لهذا المرفق، بينما يحتج عمال للمطالبة بحقوقهم وتحسين أوضاعهم المهنية، ويشتكي مواطنون من تراكم النفايات وعدم انتظام عمليات الجمع في عدد من الأحياء، خصوصا الشعبية منها.

وتعود عقود التدبير المفوض الحالية إلى سنة 2021، حين أسندت جماعة طنجة خدمات النظافة إلى الشركتين لمدة سبع سنوات، بعرضين ماليين بلغ مجموعهما حوالي 297.85 مليون درهم، أي ما يقارب 30 مليار سنتيم، منها 161.948 مليون درهم لـ”أرما”، المكلفة بالمنطقة الشرقية التي تضم بني مكادة ومغوغة، و135.9 مليون درهم لـ”ميكومار”، المكلفة بالمنطقة الغربية التي تشمل طنجة المدينة والشرف السواني. وهي كلفة كبيرة كان يفترض أن تنعكس على مستوى الخدمة، وانتظام جمع النفايات، ونظافة الشوارع والأحياء، وجودة تدبير واحد من أكثر المرافق التصاقا بالحياة اليومية للطنجاويين.

غير أن الواقع المسجل في عدد من المناطق يطرح أسئلة جدية حول مدى تحقق ذلك. فشكاوى السكان من امتلاء الحاويات وتراكم الأزبال وتأخر عمليات الجمع وظهور “نقط سوداء” عادت إلى الواجهة، حتى إن سكانا بمنطقة “حومة الليل” بطنجة البالية لجؤوا مؤخرا إلى مراسلة والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، يونس التازي، مطالبين بتدخل عاجل بعد تفاقم وضع النظافة وعدم انتظام جمع النفايات، وما نتج عنه، وفق شكايتهم، من تراكم للأزبال وروائح كريهة وانتشار للحشرات بالقرب من المساكن.

والمفارقة أن المواطن ليس الطرف الوحيد الذي يعبر عن غضبه. ففي الجهة الأخرى، خرج عمال النظافة بدورهم في احتجاجات للمطالبة بتسوية ملفات مهنية واجتماعية وتحسين ظروف اشتغالهم، فيما سبق أن عرف محيط شركة “ميكومار” بدوره احتجاجات وشكاوى عمالية. وهؤلاء هم العمال الذين يواجهون يوميا النفايات والروائح والمخاطر المرتبطة بهذه المهنة الشاقة، ما يجعل حماية حقوقهم وتوفير ظروف عمل تحفظ كرامتهم جزءا أساسيا من جودة المرفق، وليس ملفا منفصلا عنه.

وهنا تبرز المفارقة الأكثر إثارة للتساؤل: إذا كان المواطن الذي يتلقى الخدمة يشتكي، والعامل الذي يقدمها يحتج، بينما تستفيد شركتا التدبير المفوض من عقود تناهز قيمتها الإجمالية 30 مليار سنتيم سنويا، فأين يظهر أثر هذه الكلفة الضخمة على أرض الواقع؟ وأين هي القيمة المضافة التي كان يفترض أن يقدمها نموذج التدبير المفوض مقارنة بتدبير المرفق مباشرة من طرف الجماعة؟

المشكل يصبح أكثر وضوحا في الأحياء الشعبية، حيث لا ينبغي أن تكون النظافة خدمة بسرعتين؛ واحدة للواجهات والشوارع الكبرى، وأخرى للأحياء والأزقة البعيدة عن قلب المدينة. فالحق في شارع نظيف وجمع منتظم للنفايات لا يرتبط بالموقع الجغرافي للحي ولا بقيمته السياحية، بل هو خدمة عمومية يدفع المواطن ثمنها من المال العام، ومن حق جميع سكان طنجة الاستفادة منها بالمستوى نفسه.

واللافت أن أزمة النظافة ليست مفاجئة للمجلس الجماعي. فقد اضطرت جماعة طنجة خلال يوليوز الماضي إلى عقد اجتماعات مع مسؤولي القطاع والشركات المفوض لها، والإعلان عن الانتقال إلى المراقبة الميدانية المشددة خلال فترة الذروة الصيفية، وسط انتقادات طالت ضعف تنفيذ بعض مقتضيات عقود التدبير المفوض وضرورة تفعيل آليات المحاسبة. كما سبق لوالي الجهة أن أصدر تعليمات للسلطات المحلية لمتابعة وضع النظافة والتدخل بعدد من مناطق المدينة.

لذلك، فإن المسؤولية لا يمكن أن تتوقف عند “أرما” و”ميكومار”. فجماعة طنجة هي السلطة المفوضة، وهي المسؤولة عن مراقبة تنفيذ العقدين ومدى احترام دفاتر التحملات، وتتبع جودة الخدمات والإمكانيات البشرية واللوجستيكية الموضوعة رهن إشارة المرفق، ثم ترتيب الجزاءات التي تسمح بها العقود عند ثبوت أي إخلال. فالتدبير المفوض لا يعني تحويل عشرات الملايين من الدراهم إلى شركات خاصة ثم انتظار شكاوى المواطنين لمعرفة ما يجري في الأحياء.

وأمام هذا الوضع، يصبح المجلس الجماعي مطالبا بتقديم أجوبة واضحة للطنجاويين: هل تحترم الشركتان جميع الالتزامات الواردة في دفاتر التحملات؟ وما حصيلة مراقبة أدائهما منذ انطلاق العقدين؟ وكم عدد الاختلالات التي سجلتها مصالح الجماعة؟ وهل فُرضت جزاءات مالية بسبب التقصير في الخدمات، إن ثبت؟ وما قيمتها؟ ثم ما الإجراءات التي اتخذتها الجماعة لضمان احترام الحقوق المهنية والاجتماعية للعمال واستقرار هذا المرفق الحيوي؟

فحين يصل الأمر إلى مواطنين يراسلون الوالي بحثا عن حل لمشكلة النفايات في أحيائهم، بالتزامن مع خروج عمال القطاع للاحتجاج من أجل مطالبهم، يصبح من الصعب التعامل مع ما يحدث باعتباره مجرد اختلالات ظرفية. نحن أمام مرفق تلتهم عقوده قرابة 30 مليار سنتيم سنويا من المال العام، وبالتالي فإن كل درهم يصرف فيه يفترض أن يقابله مستوى واضح وقابل للقياس من الخدمة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه مجلس جماعة طنجة، باعتباره الجهة التي فوضت المرفق والمسؤولة عن مراقبته: إلى متى سيظل المجلس متفرجا بين مواطن يشتكي وعامل يحتج؟ وإذا كانت قرابة 30 مليار سنتيم ترصد سنويا لنظافة طنجة، فأين يظهر أثر هذه الملايير، ولماذا لا تُفعّل بنود دفاتر التحملات والجزاءات بكل صرامة كلما ثبت التقصير؟

زر الذهاب إلى الأعلى