من الخيمة خرج مايل… هل تم إعدام تجربة المجموعات الصحية من طنجة؟

تعيش المنظومة الصحية بجهة طنجة تطوان الحسيمة على وقع توتر متصاعد منذ الشروع في تنزيل تجربة “المجموعات الصحية الترابية”، وهي التجربة التي كانت تُقدَّم باعتبارها مدخلاً أساسياً لإصلاح القطاع الصحي وتعزيز حكامته.
غير أن المؤشرات الميدانية، بعد مرور أشهر على انطلاقها، توحي بأن هذا الورش قد انحرف عن أهدافه المعلنة، وبدأ يثير موجة من القلق داخل صفوف مهنيي الصحة. مصادر مهنية ونقابية متطابقة تؤكد أن الأوضاع الاجتماعية والمهنية للأطر الصحية تعرف تأزماً غير مسبوق، في ظل تعطل صرف عدد من المستحقات المالية والإدارية، من بينها تعويضات الحراسة والإلزامية والمداومة والتنقل، إضافة إلى حذف منحة المردودية وتأخر الترقيات في الدرجة والرتبة.
وهي اختلالات لا تقف عند الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى طريقة تدبير الموارد البشرية، حيث يتم—حسب نفس المصادر—إسناد مناصب المسؤولية وفق منطق القرب والولاء بدل معايير الاستحقاق والكفاءة. هذا الوضع خلق حالة من الاحتقان والتذمر داخل المؤسسات الصحية، زاد من حدّتها الغموض الذي يلف توزيع الصلاحيات داخل هذه المجموعات، إلى جانب التفاوت في المعاملة بين الأطر المنضوية تحتها ونظرائهم التابعين مباشرة للوزارة.
وهو ما يطرح، بحسب متتبعين، تساؤلات جدية حول مدى جاهزية هذا النموذج التدبيري وقدرته على تحقيق العدالة المهنية وضمان استقرار الشغيلة الصحية. في هذا السياق، حذرت النقابة الوطنية للصحة العمومية، العضو في الفيدرالية الديمقراطية للشغل، من مغبة تعميم هذه التجربة على الصعيد الوطني دون إخضاعها لتقييم موضوعي وشامل. واعتبرت أن ما شاب تنزيلها من ارتجال وسوء تدبير قد ساهم في تعميق معاناة مهنيي الصحة، بل وضرب في العمق مصداقية الإصلاح الذي تعوّل عليه الدولة لتأهيل القطاع.
وفي ظل هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، التي تجد نفسها مطالبة بتقديم توضيحات دقيقة حول مآل هذه التجربة، خاصة بعد مرور فترة كافية لتقييم نتائجها الأولية. كما تبرز الحاجة إلى إجراءات مستعجلة لتسوية المستحقات العالقة، واستعادة الثقة داخل المنظومة الصحية، وتصحيح الاختلالات المرتبطة بالحكامة وتدبير الموارد البشرية.
أسئلة حارقة تفرض نفسها اليوم: ما هو التقييم الرسمي لهذه التجربة النموذجية؟ وما التدابير الكفيلة بإنصاف مهنيي الصحة وضمان حقوقهم؟ وهل سيتم تدارك الأعطاب قبل التفكير في تعميم نموذج لم يثبت بعد نجاعته على أرض الواقع؟ بين وعود الإصلاح وواقع الممارسة، يبدو أن تجربة المجموعات الصحية بجهة طنجة تطوان الحسيمة تقف عند مفترق طرق حاسم: إما تصحيح المسار واستعادة الثقة، أو تكريس نموذج يزيد من تعقيد أزمة قطاع يعاني أصلاً من اختلالات بنيوية عميقة.
