طنجة بعد الفيضانات: ذاكرة قصيرة ومخاطر مؤجلة

بعد انحسار موجة الأمطار والفيضانات التي شهدتها طنجة، عادت الحياة تدريجياً إلى إيقاعها المعتاد، وانشغل الجميع بترميم الخسائر الظاهرة، بينما تلاشت الأسئلة الأعمق في صمت. وكأن ما حدث كان مجرد حادث عابر، لا يستحق أن يتحول إلى محطة مراجعة حقيقية. المفارقة ليست في قوة التساقطات أو حجم الأضرار، بل في قِصر ذاكرة المؤسسات.
في كل مرة تضرب فيها الفيضانات المدينة، يُعاد إنتاج نفس الخطاب: لجان، ووعود، وتطمينات، ثم لا شيء. بعد أسابيع قليلة، تُطوى الصفحة، ويُعاد تشغيل نفس المنظومة التي أثبتت محدوديتها. هنا لا يتعلق الأمر بنقص الموارد فقط، بل بغياب الإرادة في تحويل الأزمة إلى درس. طنجة ليست مدينة عادية؛ إنها قطب اقتصادي وسياحي، ما يجعل هشاشتها أمام الأمطار أمراً غير مقبول.
شبكات الصرف التي تختنق بسرعة، والأحياء التي تتحول إلى برك مائية، والبنية التحتية التي تكشف ضعفها عند أول اختبار جدي… كل ذلك ليس قدراً، بل نتيجة تراكم اختلالات معروفة. السؤال الذي يفرض نفسه: من يتذكر الدرس؟
المواطن يتذكر، لأنه يدفع الثمن مباشرة.
السائق الذي تعطلت سيارته، والتاجر الذي غمرت المياه محله، والأسرة التي عاشت لحظات خوف حقيقية. لكن على مستوى المؤسسات، يبدو أن الذاكرة قصيرة جداً، أو ربما انتقائية. لماذا لا يتم التفكير بمنطق استباقي؟ لماذا لا تتحول هذه الأحداث إلى قاعدة بيانات دقيقة تُبنى عليها قرارات مستقبلية؟ التخطيط الحضري في مدن بحجم طنجة لا يمكن أن يظل رهين ردود الفعل. هناك حاجة إلى رؤية تدمج التغيرات المناخية كمعطى أساسي، لا كاستثناء.
جزء من المشكلة يكمن في تشتت المسؤوليات. كل جهة تلقي بالعبء على الأخرى: الجماعات المحلية، شركات التدبير المفوض، المصالح التقنية… وفي النهاية يضيع القرار. لكن الواقع لا ينتظر هذا الجدل الإداري؛ الماء ينزل، والمدينة تختبر جاهزيتها في لحظات.
الرأي هنا واضح: ما لم يتم كسر هذه الحلقة المفرغة، فإن كل فيضان قادم سيكون مجرد نسخة مكررة من السابق. المطلوب ليس فقط إصلاح الأعطاب، بل إعادة تعريف طريقة التفكير في تدبير المدينة. الاستثمار في البنية التحتية ليس ترفاً، بل ضرورة أمنية واقتصادية. طنجة أمام اختبار مستمر: إما أن تتعلم من كل أزمة، أو أن تستمر في نسيانها. وحتى الآن، المؤشرات لا تدعو للتفاؤل. المشكلة لم تكن يوما في المطر… بل في ما يحدث بعد توقفه.
