حرب التزكيات بطنجة… صمت وغضب ومناورة

على بُعد أسابيع قليلة من الاستحقاقات التشريعية، لا تتحرك الأحزاب السياسية بطنجة وفق إيقاع معلن، بل على وقع دينامية خفية تُدار بعيداً عن الواجهات. في الظاهر، يبدو المشهد هادئاً ومتحكماً فيه، لكن خلف هذا الهدوء تتشكل ملامح صراع داخلي حاد حول التزكيات، حيث تتحول عملية اختيار المرشحين إلى اختبار حقيقي لقدرة الأحزاب على تدبير توازناتها.

هذا الصراع لا يُخاض بالخطابات ولا بالبلاغات، بل بأساليب أكثر تعقيداً: حسابات دقيقة، اصطفافات صامتة، وتسريبات محسوبة. إنها “حرب غير مُعلنة” تُدار في الكواليس، تتداخل فيها الاعتبارات التنظيمية مع المصالح الشخصية، ويغيب فيها أحياناً الحد الفاصل بين التنافس المشروع والصراع المفتوح.

في هذه الأجواء، لا يُطرح سؤال “من الأجدر؟” بقدر ما يُطرح سؤال أكثر واقعية: “من يملك حظوظ الفوز؟ ومن يمكن أن يمر بأقل كلفة سياسية ممكنة؟”. وبين هذه المعادلة، تصبح التزكية نتيجة توازنات أكثر منها تتويجاً لمسار نضالي أو تأطيري.

داخل هذا المشهد، يمكن رصد ثلاث حالات بارزة تتحكم في مسار التزكيات، حتى وإن لم تُعلن عن نفسها بشكل صريح. أولها فئة “الصامتين”، وهم الذين اختاروا الابتعاد عن أي ضجيج، فلا تصريحات ولا تسريبات ولا ردود فعل. صمتهم في الغالب ليس حياداً، بل يعكس قدراً من الثقة أو الاطمئنان، إما بناءً على إشارات داخلية، أو لاعتقادهم بأن حظوظهم قائمة بقوة. هؤلاء يفضلون الانتظار، لأن الحركة الزائدة قد تُربك ما يعتبرونه مساراً شبه محسوم.

في المقابل، تبرز فئة “الغاضبين”، وهي الأكثر توتراً وحضوراً في الكواليس. هؤلاء كانوا يرون أنفسهم ضمن دائرة التزكية، قبل أن تتراجع حظوظهم لأسباب متعددة، منها ما يرتبط بتقييمات داخلية، أو بسلوكات سابقة، أو بوجود ملفات قضائية تثير التحفظ، أو حتى بضعف الرصيد الانتخابي. كما أن بعض الأسماء يُنظر إليها داخل الأحزاب على أنها لا تتوفر على التوازن أو النضج السياسي الكافي لتحمل مسؤولية الترشح، وهو ما يُقصيها عملياً من سباق الحسم.
هذه الفئة، حين تشعر بالتهميش، لا تنسحب بهدوء، بل تدخل في ما يشبه “حرب الإشاعات”، حيث تتحول الكواليس إلى فضاء للتسريبات والهمسات، في محاولة لإرباك المنافسين أو إعادة خلط الأوراق.

أما الفئة الثالثة، فهي فئة “المناورين”، الذين لا يتعاملون مع الترشح كهدف نهائي، بل كورقة تفاوض. يظهرون رغبة قوية في الترشح، يضغطون، يرفعون سقف الطموح، لكنهم في النهاية قد ينسحبون في صمت، بعد تحقيق مكاسب داخلية، سواء تعلق الأمر بموقع تنظيمي، أو دور سياسي، أو تموقع داخل الحزب. في هذه الحالة، يصبح الترشح وسيلة لا غاية.

داخل الأحزاب التي تقود التحالف الحكومي، تبدو هذه الديناميات الثلاث حاضرة بقوة، ما يعكس حجم التوتر الذي يرافق مرحلة اختيار المرشحين. ورغم الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الانسجام، فإن ما يجري في الكواليس يكشف عن صراع صامت بين منطق “الشرعية التنظيمية” ومنطق “الحظوظ الانتخابية”، وبين من يراهن على القواعد ومن يراهن على الحسابات.

في مقابل هذا المشهد، يبرز استثناء واضح نسبياً، حيث يُعد حزب العدالة والتنمية الحزب الوحيد، إلى حدود الآن، الذي حسم بشكل علني في وكيل لائحته بدائرة طنجة–أصيلة، معلناً تزكية محمد بوزيدان بعد مسار داخلي واضح. هذا الحسم المبكر يُظهر أن القرار ممكن حين تتوفر آليات واضحة، وأن تأخر الحسم في باقي الأحزاب يرتبط أساساً بتعقيدات داخلية أكثر منه بغياب الخيارات.

 

زر الذهاب إلى الأعلى