غياب عمدة طنجة منير الليموري عن احتفالات الذكرى الـ70 للأمن الوطني يثير أسئلة محرجة حول احترامه لمؤسسات الدولة

لم يكن الحديث، في كواليس حفل تخليد الذكرى الـ70 لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني بطنجة، منصبا فقط على رمزية المناسبة أو حجم الحضور الرسمي الوازن الذي عرفه الحفل، بل إن غياب عمدة المدينة، منير الليموري، وعدم تكليف أي نائب من نوابه بتمثيل جماعة طنجة، تحول إلى واحدة من أكثر النقاط التي أثارت الانتباه والاستغراب وسط عدد من الحاضرين والمتابعين، في مشهد وصفه كثيرون بـ”غير المفهوم” بالنظر إلى مكانة المؤسسة الأمنية ورمزية المناسبة الوطنية.

فالأمر لا يتعلق بنشاط بروتوكولي عادي، وإنما باحتفال يهم مؤسسة ظلت لعقود تشكل صمام أمان المدينة والبلاد، وساهمت بشكل مباشر في حماية أمن واستقرار طنجة، وتأمين تحولات كبرى عرفتها المدينة، من الدينامية الاقتصادية والسياحية إلى التظاهرات الرياضية الدولية، فضلا عن أدوارها اليومية في حماية المواطنين وممتلكاتهم ومحاربة مختلف أشكال الجريمة.

والأكثر إثارة للانتباه أن هذا الغياب جاء في وقت حرص فيه كبار المسؤولين وشخصيات مدنية وعسكرية ومنتخبون على الحضور، بعضهم عاد خصيصا إلى طنجة للمشاركة في هذه المناسبة، تقديرا لمؤسسة تحتل مكانة خاصة في وجدان الدولة والمجتمع. وهو ما جعل غياب العمدة يبدو أكثر غرابة، خصوصا أن المناسبة تحمل رمزية وطنية قوية مرتبطة بسبعة عقود من تضحيات أسرة الأمن الوطني.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحفل فقط، بل إن متابعين سجلوا أيضا غياب العمدة أو أي تمثيل رسمي لجماعة طنجة عن عدد من الأنشطة والاحتفالات التي نظمت خلال الأيام الأخيرة بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس مؤسسات أمنية وعسكرية، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طريقة تعاطي رئاسة المجلس الجماعي مع مؤسسات يفترض أنها شريك أساسي في تدبير المدينة وضمان استقرارها.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن لعمدة مدينة بحجم طنجة أن يتغيب عن مناسبة بهذا الثقل، دون حتى أن يكلف أحد نوابه التسعة بالحضور؟ وهل يتعلق الأمر باستهتار غير مفهوم بمؤسسات الدولة ورمزيتها؟ أم أن الأمر يعكس ذهنية سياسية تقوم على “الكرسي الفارغ” كلما تعلق الأمر بظهور شخصيات أخرى داخل المجلس في واجهات رسمية؟

إن مؤسسة الأمن الوطني ليست إدارة عادية يمكن التعامل معها بمنطق المزاج أو الحسابات الضيقة، بل جهاز سيادي يؤدي أدوارا مفصلية في استقرار البلاد، خصوصا في مدينة استراتيجية مثل طنجة، التي تعيش على وقع مشاريع كبرى وتحديات أمنية وتنظيمية متزايدة، وتستعد لرهانات دولية ضخمة.

ومن تابع كلمة والي أمن طنجة خلال هذا الحفل، يدرك حجم الجهود الأمنية اليومية المبذولة لتأمين المدينة ومواكبة تحولاتها، من تدبير الأمن الرياضي إلى محاربة الجريمة وتعزيز الاستباق الأمني والعناية بالعنصر البشري داخل المؤسسة الأمنية. لذلك، فإن الغياب عن مناسبة كهذه لا يمكن اختزاله في “ظرف شخصي” أو “التزامات أخرى”، لأن المؤسسات تُحترم بالحضور والتمثيل، وإن تعذر حضور المسؤول الأول، فهناك مؤسسات منتخبة قائمة على مبدأ التفويض والنيابة.

أما أن يغيب العمدة ويغيب معه الجميع، فذلك لا يطرح فقط سؤال الاحترام الواجب لمؤسسات الدولة، بل يضع أيضا علامات استفهام محرجة حول طبيعة العلاقة التي يريد رئيس جماعة طنجة بناءها مع المؤسسات الأمنية والعسكرية بالمدينة.

ويبقى السؤال الأكثر إحراجا: هل بات منير الليموري يعتبر أن الحفاظ على الأضواء لنفسه أهم من ضمان حضور مؤسسة الجماعة في المناسبات الوطنية الكبرى؟ أم أن الأمر يكشف ببساطة حالة من اللامبالاة السياسية تجاه مناسبات يفترض أنها فوق الحسابات الشخصية والحزبية؟

في السياسة، قد تمر بعض الغيابات دون أثر… لكن هناك غيابات تتحول إلى رسائل، ورسالة هذا الغياب كانت واضحة ومحرجة أكثر مما ينبغي.

زر الذهاب إلى الأعلى