طنجة التي تخلق الثروة ولا تكفيها الأجور: أين تذهب التنمية؟

هناك سؤال اجتماعي واقتصادي ينبغي أن يفرض نفسه بقوة في طنجة: إذا كانت المدينة تستقطب الاستثمارات وتتوفر على قطاعات صناعية ولوجستيكية وسياحية مهمة، فلماذا لا يشعر جزء واسع من السكان بأن هذا النمو انعكس بالقدر الكافي على مستوى معيشتهم؟
طنجة أصبحت خلال سنوات قليلة قطباً اقتصادياً وطنياً ودولياً. الميناء والصناعة واللوجستيك والسياحة والعقار والخدمات كلها قطاعات خلقت حركة اقتصادية كبيرة. لكن التنمية ليست فقط أرقاماً حول الاستثمارات، ولا عدد الوحدات الصناعية الجديدة، ولا حجم البضائع التي تمر عبر الميناء.التنمية الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن أن الاقتصاد يوفر له فرصة عمل مستقرة، وأجراً محترماً، وسكناً لائقاً، ونقلاً جيداً، ومدرسة مناسبة، وخدمات صحية قريبة.
وهنا تظهر المفارقة. فطنجة تستطيع أن تنتج الثروة بسرعة، لكنها تواجه في المقابل تحدياً كبيراً في توزيع آثار هذه الثروة اجتماعياً ومجالياً.
هناك أحياء تستفيد من البنية التحتية الحديثة، وأحياء أخرى لا تزال تكافح مع مشاكل النقل والطرق والإنارة والتطهير والنظافة. وهناك شباب يحملون شهادات أو خبرات، لكنهم يجدون أنفسهم أمام وظائف محدودة الأجر أو غير مستقرة.
وهذا الملف يجب ألا يختزل في اختصاص الجماعة وحدها. الدولة والجماعات والقطاع الخاص والمؤسسات العمومية كلها معنية. لكن الجماعة تظل في قلب جزء كبير من الحياة اليومية للمواطن.المطلوب هو أن تتحول طنجة من مدينة تستقبل الاستثمار إلى مدينة تستفيد منه اجتماعياً. ويعني ذلك وضع شروط واضحة في السياسات المحلية لدعم التشغيل، وتشجيع المقاولات الصغيرة، وتكوين الشباب وفق حاجيات السوق، وربط الاستثمار بالمجال المحلي.
فالمدينة لا تحتاج فقط إلى مشاريع ضخمة؛ تحتاج أيضاً إلى آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يمكنها خلق وظائف دائمة.
والانتخابات المقبلة يمكن أن تكون مناسبة لطرح هذا السؤال بقوة: ماذا يريد المرشحون أن تكون عليه طنجة اقتصادياً بعد خمس أو عشر سنوات؟
هل نريد مدينة تعتمد فقط على جاذبية المستثمرين الكبار؟ أم نريد اقتصاداً حضرياً متنوعاً يستفيد منه التاجر والحرفي والمقاول الصغير والشاب الباحث عن العمل والأسرة المتوسطة؟
المعركة الحقيقية ليست بين الشعارات الاقتصادية، وإنما بين نموذجين: مدينة تنتج الثروة، ومدينة تنتج الثروة وتخلق معها حياة أفضل لسكانها، وبالتالي من سيأخذ المبادرة من المرشحين للاستحقاقات المقبلة لوضع الأصبع فوق الجرح !
