خروقات موثقة ومساطر لم تكتمل… من يحمي رئيس مقاطعة بني مكادة؟

في خضمّ الجدل المتواصل الذي يطبع تدبير مقاطعة بني مكادة، عاد سؤال دور السلطة ليطرح نفسه بإلحاح: هل تمارس فعلاً صلاحيات الرقابة والحسم، أم تكتفي بالمراقبة من بعيد إلى أن تفرض الوقائع تدخلاً متأخرًا؟ سؤال لم يعد ترفًا سياسيًا، بل خلاصة مسار طويل من الشبهات والملفات التي انتقلت من همس الصالونات إلى واجهة النقاش العمومي.

فخلال الأشهر الأخيرة، حرّكت السلطات الولائية مساطر عزل في حق عدد من المنتخبين عبر تراب الجهة، في سياق قُدِّم باعتباره تنزيلًا صارمًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن وضع بني مكادة ظل، في نظر كثيرين، استثناءً مثيرًا للانتباه. فالرئيس الذي لاحقته اتهامات ثقيلة، من بينها التزوير في وثائق إدارية لفائدة مؤسسة تعليمية يملكها، ظل اسمه حاضرًا في واجهة الجدل دون أن يقترن ذلك، لفترة طويلة، بحسم إداري واضح.

وتشير معطيات متداولة على نطاق واسع إلى أن الملف بلغ، في مرحلة سابقة، مستوى متقدمًا من الجدية، وصل إلى حد سحب جواز سفر المعني بالأمر، في إجراء يعكس خطورة الشبهات التي كانت موضوع بحث. كما راج، داخل الأوساط السياسية والإدارية، أن مسطرة استفسار كانت قد فُتحت رسميًا في حق رئيس المقاطعة، في عهد الوالي السابق لجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، محمد مهيدية، وأن الملف كان مرشحًا للتطور نحو إجراءات أشد، قبل أن يتوقف فجأة.

هذا التوقف المفاجئ، الذي تزامن مع مغادرة الوالي السابق لمنصبه، فتح الباب أمام تأويلات واسعة. فبدل أن يُستكمل المسار الطبيعي للمسطرة، طُوي الملف أو جُمّد، دون توضيح رسمي للرأي العام، ما إذا كانت الشبهات قد انتفت، أم أن الأمر يتعلق بإرجاء فرضته اعتبارات ظرفية. هذا الفراغ في المعلومة هو ما غذّى الإحساس بأن السلطة بدت، وكأنها تراقب أكثر مما تحسم.

الجدل لم يقف عند الرئيس فقط، بل امتد إلى أحد نوابه، الذي وُجهت له اتهامات بتوقيع شهادة إدارية خارج الإطار القانوني، في فترة كان قد سُحب منه التفويض رسميًا. وهي واقعة، إن ثبتت، تطرح تساؤلات عميقة حول احترام مبدأ الشرعية داخل الإدارة المحلية، وحول آليات المراقبة الداخلية التي كان يفترض أن تمنع مثل هذه التوقيعات من الأصل. فالتوقيع دون تفويض لا يُعد مجرد خطأ إداري، بل خرقًا صريحًا للمساطر، يُفترض أن يترتب عنه ترتيب المسؤوليات.

اليوم، ومع عودة الحديث عن تفعيل مساطر العزل في ملفات أخرى، يتساءل المتابعون عمّا إذا كانت بني مكادة ستظل خارج هذا المنحى، أم أن ما جرى في الماضي كان مجرد تأجيل لمواجهة لا مفر منها. فاستمرار تداول اتهامات خطيرة، من تزوير ووثائق وشهادات، دون حسم نهائي، ينعكس سلبًا على صورة المؤسسات، ويقوّض ثقة المواطنين في جدية الرقابة.

الخلاصة التي يخرج بها كثيرون هي أن الإشكال لم يعد مرتبطًا بأشخاص بقدر ما هو مرتبط بمنهج تدبير الزمن الإداري. فإما أن تُستكمل المساطر إلى نهايتها، ويُقال للرأي العام كلمته بوضوح، سواء بالإدانة أو بالتبرئة، وإما أن يظل الغموض سيد الموقف، بما يحمله من إشارات مقلقة حول حدود المحاسبة. وفي كلتا الحالتين، تبقى بني مكادة أمام اختبار حقيقي: هل تنتقل من منطقة الشك والانتظار إلى منطق الوضوح والحسم، أم تستمر كعنوان لسؤال معلّق حول ما إذا كانت السلطة فاعلًا حاسمًا أم مجرد متفرج؟

زر الذهاب إلى الأعلى