أحزاب التحالف الحكومي عاجزة عن حسم وكلاء لوائحها بطنجة-أصيلة.. صراع التزكيات يشتد و”الدخان الأسود” يتصاعد من مقراتها

قبل أقل من أربعة أشهر على موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، تبدو دائرة طنجة-أصيلة واحدة من أكثر الدوائر التي تكشف مبكرا حجم الارتباك الذي تعيشه أحزاب التحالف الحكومي الثلاثي، بعدما فشلت، إلى حدود الساعة، في الحسم النهائي في وكلاء لوائحها الانتخابية، رغم أنها تقود الحكومة وتدبر عددا من المؤسسات المنتخبة والجماعات الترابية بالمملكة.

هذا التأخر، الذي يأتي في وقت بدأت فيه أحزاب أخرى إعلان مرشحيها بشكل واضح، يعكس، بحسب متابعين، هشاشة البنية التنظيمية للأحزاب الثلاثة داخل طنجة، واحتدام الصراعات الداخلية، إلى جانب محدودية الخيارات القادرة على ضمان التوازنات الانتخابية والحفاظ على المواقع السياسية بهذه الدائرة التي تعد من أكثر الدوائر حساسية بالمغرب.

ويعيش حزب الاستقلال، أحد أعرق الأحزاب المغربية، وضعا يوصف بـ”المعقد” داخل دائرة طنجة-أصيلة، بعدما تحول ملف التزكية إلى مصدر توتر حقيقي داخل الحزب، في ظل استمرار الغموض حول مستقبل محمد الحمامي، رئيس مقاطعة بني مكادة، الذي لا يزال اسمه مطروحا بقوة للاحتفاظ بوكالة اللائحة.

غير أن هذا الطرح يصطدم، وفق مصادر متطابقة، بتخوفات متزايدة مرتبطة بالملفات والمتابعات القضائية التي تلاحق الحمامي، وما إذا كانت ستسمح له بخوض الانتخابات المقبلة، أم أن الحزب قد يعتبر إعادة ترشيحه مغامرة سياسية قد تضر بصورة “الميزان” في طنجة.

ولا تتوقف حالة القلق داخل حزب الاستقلال عند اسم الحمامي فقط، إذ تتحدث معطيات متداولة عن أن شبهة “الملفات الثقيلة” أصبحت تلاحق أسماء أخرى بارزة داخل الحزب بدائرة طنجة-أصيلة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول الوضع التنظيمي والسياسي الذي يعيشه الحزب محليا، ومدى قدرة قيادته على تدبير المرحلة المقبلة دون خسائر إضافية.

وفي ظل هذا الوضع، عاد اسم الوزير عبد الجبار الراشدي ليتردد بقوة داخل كواليس الحزب باعتباره “ورقة الإنقاذ” أو “الخيار الجوكر” الذي قد تلجأ إليه القيادة الاستقلالية من أجل إعادة ترتيب البيت الداخلي ومحاولة الحفاظ على صورة الحزب بالمدينة.

أما داخل حزب الأصالة والمعاصرة، فيبدو أن معركة التزكية بطنجة-أصيلة تجاوزت حدود المدينة نفسها، وأصبحت مرتبطة بتوازنات وصراعات تمتد بين الحسيمة والرباط، في ظل احتدام التنافس بين تيارات متصارعة داخل الحزب.

ففي كل مرة تتحدث تسريبات عن تقدم التيار الداعم لعبد اللطيف الغلبزوري، الأمين الجهوي للحزب بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، واقترابه من قيادة اللائحة التشريعية بطنجة، قبل أن تظهر، في المقابل، معطيات أخرى تفيد بأن الكفة قد تميل لصالح التيار المساند لعادل الدفوف، البرلماني الحالي عن الحزب بدائرة طنجة-أصيلة.

وزاد من حدة هذا الصراع خروج فؤاد العماري، عمدة طنجة الأسبق، الذي غادر إلى الإقامة بإسبانيا بعد خسارته الانتخابات منذ أكثر من عشر سنوات، بتصريحات أكد فيها، وفق ما جرى تداوله، أنه سيكون مدير الحملة الانتخابية لعبد اللطيف الغلبزوري في حال قيادته للائحة الحزب، في إشارة قرأها متابعون على أنها إعلان دعم واضح له داخل صراع التزكية، ما يعكس حجم التجاذبات التي يعيشها “الجرار” بخصوص من سيقود الحزب انتخابيا في طنجة خلال المرحلة المقبلة.

بدوره، لا يزال حزب التجمع الوطني للأحرار يعيش على وقع “الدخان الأسود” داخل دائرة طنجة-أصيلة، بعدما فشل إلى حدود اللحظة في التوافق على اسم وكيل لائحته التشريعية.

وتتواصل المنافسة داخل الحزب بين ثلاثة أسماء بارزة، يتعلق الأمر بكل من عصام الغايشي، نائب عمدة طنجة، والحسين بن الطيب، البرلماني الحالي، ثم عبد الواحد بولعيش، الفاعل الجمعوي المعروف بالمدينة.

وحسب معطيات متقاطعة، فإن راشيد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي والمنسق الجهوي لحزب التجمع الوطني للأحرار بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، سبق له أن استمع للمرشحين الثلاثة خلال اجتماع احتضنته طنجة قبل أيام، في محاولة لتقريب وجهات النظر والبحث عن صيغة توافقية داخل الحزب.

غير أن ذلك الاجتماع لم ينجح، وفق المعطيات المتداولة، في حسم اسم وكيل اللائحة، ما جعل المرشحين الثلاثة ينتظرون عودة الطالبي العلمي إلى طنجة لعقد اجتماع ثان، يرجح أن يكون هذه المرة حاملا معه اسم المرشح الذي سيقود الحزب بالدائرة، سواء عبر توافق داخلي أو بقرار من الأجهزة المركزية للحزب بالرباط.

وفي مقابل هذا الارتباك الذي تعيشه أحزاب التحالف الحكومي الثلاثي، تبدو الصورة أكثر وضوحا داخل أحزاب أخرى بدائرة طنجة-أصيلة، حيث سبق لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن أعلن رسميا تزكية البرلماني الحالي عبد القادر الطاهر لخوض غمار الانتخابات المقبلة والدفاع عن مقعده البرلماني، كما حسم حزب التقدم والاشتراكية، منذ مدة، اسم وكيل لائحته، ويتعلق الأمر بالموثق الدحمان المزريحي، بينما أعلن حزب العدالة والتنمية اختيار محمد بوزيدان وكيلا للائحته بعد مسار داخلي اعتمد آلية التداول التنظيمي داخل الحزب.

أما محمد الزموري، فيبقى حالة سياسية خاصة داخل المشهد الحزبي الطنجاوي، ففي الوقت الذي تنتظر فيه الأحزاب الإعلان عن وكلاء لوائحها، يترقب جزء واسع من المتابعين القرار الذي سيتخذه بشأن الحزب الذي سيترشح باسمه خلال الاستحقاقات المقبلة.

ورغم الحديث المتواصل عن إمكانية انتقاله إلى حزب الحركة الشعبية، فإن هذا السيناريو لا يبدو سهلا، في ظل وجود تحفظات داخل جزء من محيطه السياسي بشأن مغادرة حزب الاتحاد الدستوري، خاصة أن عددا من المنتخبين المرتبطين به داخل الجماعات الترابية سيكونون مطالبين بتقديم استقالاتهم من مواقعهم الحالية إذا قرروا مرافقته سياسيا، وهو معطى قد يكون حاسما في تحديد مستقبل الزموري السياسي خلال الأسابيع المقبلة.

وفي انتظار أن تنقشع سحب “الدخان الأسود” عن مقرات الأحزاب، تبدو دائرة طنجة-أصيلة اليوم وكأنها تعيش حملة انتخابية مبكرة عنوانها الأبرز ليس التنافس مع الخصوم، بل الصراع داخل البيت الواحد. وبين أحزاب حسمت أسماء مرشحيها وأخرى ما تزال غارقة في حسابات التوازنات والولاءات والملفات الثقيلة، يطرح المشهد سؤالا سياسيا عميقا: كيف لأحزاب تدبر الشأن العام وطنيا وتقود مؤسسات الدولة أن تعجز، إلى حدود اللحظة، عن حسم أبسط تفاصيل معاركها الانتخابية محليا؟ وربما تكشف أزمة التزكيات بطنجة، أكثر من أي خطاب سياسي، حجم التحولات التي يعرفها العمل الحزبي، حيث أصبحت معارك الكواليس أحيانا أقوى من المعارك التي تنتظر الأحزاب داخل صناديق الاقتراع نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى