بعد التبرؤ من تصريحات جمال العومي.. هل يملك حيون الجرأة للتبرؤ من ممارسات منتخبين آخرين أساؤوا إلى صورة حزب الاستقلال بطنجة؟

استحسن العديد من المتابعين للشأن السياسي المحلي البلاغ الذي أصدرته المفتشية الإقليمية لحزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة بخصوص التصريحات الصادرة عن جمال العومي، المستشار بمقاطعة بني مكادة، خصوصاً أن تلك التصريحات أثارت موجة واسعة من الانتقادات، واعتبرها عدد من المتتبعين تجاوزاً لخطوط حمراء مرتبطة بصورة المرأة المغربية ومكانتها، فضلاً عما خلفته من جدل داخل الأوساط السياسية والحزبية.

وجاء البلاغ بلغة واضحة وحازمة، عندما أكد أن تلك التصريحات لا تمثل الحزب ولا تعبر عن توجهاته، واصفاً إياها بـ”الارتجال” و”عدم المسؤولية السياسية والأخلاقية” و”التصريحات العشوائية” و”الممارسات غير محسوبة العواقب”، قبل أن يعلن إحالة الملف على الأجهزة التحكيمية والتأديبية المختصة.

ولا شك أن هذه الخطوة تحسب لعبد العزيز حيون، المفتش الإقليمي الجديد لحزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة، لأنها تعطي الانطباع بوجود إرادة لإعادة الانضباط إلى التنظيم ووضع حد لبعض الممارسات التي أضرت بصورة الحزب خلال السنوات الماضية.

غير أن قيمة البلاغ لا تكمن فقط في مضمونه، بل في ما يمكن أن يترتب عنه مستقبلاً.

فعبد العزيز حيون، بحكم معرفته الدقيقة بالحزب وبأوضاعه داخل عمالة طنجة-أصيلة، يعلم جيداً أن الجدل الذي يلاحق صورة حزب الاستقلال لا يرتبط بحالة واحدة أو باسم واحد. ويعلم كذلك أن عدداً من المنتخبين الذين تحملوا المسؤولية باسم الحزب خلال السنوات الأخيرة كانوا موضوع انتقادات متكررة داخل الشارع المحلي، وأن بعضهم تحول إلى مصدر إحراج للتنظيم أكثر من كونه إضافة سياسية له.

وإذا كان هناك من يشكك في ذلك، فما على المفتش الإقليمي الجديد سوى أن يتجول قليلاً في مقاهي بني مكادة، وأن ينصت إلى الأحاديث اليومية للمواطنين، ليكتشف حجم التذمر الذي راكمته بعض الممارسات والتصرفات المنسوبة إلى منتخبين حملوا ألوان الحزب. فهناك من يرى أن حزب الاستقلال في المنطقة لم يتضرر من خصومه بقدر ما تضرر من بعض المنتسبين إليه.

والأكيد أن حيون لا يحتاج في الواقع إلى القيام بهذه الجولة. فهو يعرف الحزب من الداخل، ويعرف جيداً ما شهدته محطاته التنظيمية خلال السنوات الماضية، كما يعرف ما رافق بعض المؤتمرات الإقليمية من توتر وصراعات وانتقادات، خاصة المؤتمر الإقليمي الذي سبق المؤتمر الوطني الأخير للحزب، والذي أفرز نقاشاً واسعاً حول أوضاع التنظيم ومستقبله محلياً.

كما أن الرجل، بحكم موقعه الحالي، لا بد أنه توصل بمعطيات وتقييمات وتقارير أكثر مما هو متداول في الفضاء العام، ويعرف أين توجد مكامن الخلل، ومن هم الأشخاص الذين أصبح حضورهم داخل الحزب يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من الأجوبة.

لكن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان عبد العزيز حيون يعرف حجم الاختلالات، بل ما إذا كان يملك الجرأة السياسية والتنظيمية لمعالجتها.

فالتحدي الذي ينتظره لا يتعلق فقط بملف جمال العومي، وإنما بملفات أكثر حساسية وتعقيداً، وبمنتخبين ارتبطت أسماؤهم خلال السنوات الأخيرة بجدل متواصل، كما أن بعض الأسماء ما تزال تثير نقاشاً واسعاً بسبب ملفات وقضايا يتابعها الرأي العام باهتمام.

وهنا تكمن المعضلة التي تواجه العديد من الأحزاب السياسية. فبعض الأسماء قد تكون قادرة على تحقيق نتائج انتخابية وملء صناديق الاقتراع، لكنها في المقابل قد تفرغ الأحزاب من رصيدها الأخلاقي ومن صورتها لدى المواطنين. وقد تمنح مقعداً إضافياً هنا أو هناك، لكنها تكلف الحزب الكثير من مصداقيته ورمزيته وتاريخه.

ولهذا فإن البلاغ الأخير يطرح سؤالاً مشروعاً: هل سيكون ما وقع مع جمال العومي بداية لمسار جديد داخل حزب الاستقلال بطنجة-أصيلة؟ وهل سيطبق المفتش الإقليمي الجديد المعايير نفسها على جميع الحالات التي تسيء إلى صورة الحزب، مهما كانت مواقع أصحابها أو أوزانهم الانتخابية؟

أم أن جمال العومي كان فقط الحلقة الأسهل في المواجهة، بينما ستظل الملفات الأكثر تعقيداً وحساسية خارج دائرة المساءلة؟

لا أحد يملك الجواب اليوم.

لكن المؤكد أن حزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة يوجد أمام لحظة حقيقية للمراجعة وإعادة الترتيب. فالحزب الذي ساهم في صناعة جزء مهم من تاريخ المغرب السياسي، يحتاج اليوم إلى أكثر من بيانات التبرؤ وإجراءات التأديب. يحتاج إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار لصورته، وتفصل بين تاريخه النضالي العريق وبين كل السلوكات والممارسات التي أساءت إليه.

ويبقى السؤال الذي يطرحه الكثير من الاستقلاليين والمتابعين للشأن المحلي: هل يملك عبد العزيز حيون الجرأة الكافية لإصلاح ما أفسدته سنوات من الاختيارات الخاطئة والتجاذبات الداخلية؟ وهل سينجح في إعادة بريق الحزب وتنقية صفوفه من الأسماء التي أصبحت عبئاً على صورته أكثر من كونها إضافة إليه؟

الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكنها ستكون أيضاً المحك الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كان هذا البلاغ مجرد موقف عابر، أم بداية مرحلة جديدة داخل حزب الاستقلال بطنجة-أصيلة.

زر الذهاب إلى الأعلى