أمانديس تشدد الخناق على سكان طنجة في آخر أيامها.. فواتير مجحفة وقطع سريع للتزويد وسط صمت المنتخبين

بينما لا يزال موعد الرحيل النهائي لشركة “أمانديس” عن طنجة يلفه كثير من الغموض، تتزايد في المقابل شكاوى المواطنين الذين يؤكدون أن الأشهر الأخيرة من عمر عقد التدبير المفوض شهدت، في نظرهم، تشددًا أكبر في استخلاص المستحقات، وارتفاعًا في وتيرة قطع التزويد بسبب التأخر في الأداء، إلى جانب فواتير ورسوم يعتبرونها مجحفة، في وقت كان ينتظر فيه سكان المدينة أن تكون نهاية هذه المرحلة مناسبة لتخفيف الاحتقان، لا لتوسيعه.

ويقول عدد من سكان طنجة إن الأشهر الأخيرة من عمر العقد لم تحمل مؤشرات على انفراج العلاقة بين الشركة والمرتفقين، بل على العكس، عززت لديهم الانطباع بأن إجراءات الاستخلاص أصبحت أكثر تشددًا، وأن الجانب الاجتماعي في تدبير خدمات أساسية كالماء والكهرباء لم يعد يحظى بالاهتمام الذي ينتظرونه من مرفق يمس الحياة اليومية لكل أسرة.

وتتصدر الفواتير قائمة الانتقادات، إذ يعتبر كثير من المواطنين أن بعضها أصبح مجحفًا ولا ينسجم مع حجم الاستهلاك الفعلي، خاصة عندما تضاف إليها رسوم ومصاريف مختلفة تجعل المبلغ النهائي يفوق بكثير ما كانت تتوقعه الأسر. ويزداد الجدل في الحالات التي تعتمد فيها فواتير تقديرية قبل إجراء القراءة الفعلية للعداد، وهو ما يفتح الباب أمام شكاوى متكررة ومطالب بمزيد من الدقة والشفافية في احتساب الاستهلاك.

ولا يقل ملف قطع التزويد إثارة للغضب، إذ يشتكي عدد من المرتفقين من أن التأخر في أداء فاتورة واحدة قد يقود، في فترة وجيزة، إلى قطع الماء أو الكهرباء، قبل أن يجدوا أنفسهم مطالبين بأداء الفاتورة الأصلية، ورسوم إعادة التزويد، ومصاريف أخرى، وهو ما يعتبرونه عبئًا إضافيًا على أسر تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف المعيشة. ولا يعترض المواطن، في نظر كثير من المتضررين، على أداء ما بذمته من مستحقات، لكنه يتساءل عن مدى تناسب هذه الإجراءات مع الظروف الاجتماعية، وعن إمكانية اعتماد حلول أكثر مرونة قبل اللجوء إلى قطع خدمة أساسية.

وتتواصل، في الوقت نفسه، شكاوى مرتبطة بالانقطاعات المبرمجة للماء في بعض الفترات، وبطء معالجة بعض الأعطاب، وطول آجال البت في عدد من الشكايات، إضافة إلى ملاحظات يرددها مواطنون بشأن طريقة التواصل مع المرتفقين، معتبرين أن الاستجابة لا تكون دائمًا في مستوى ما ينتظرونه من مرفق يقدم خدمة عمومية حيوية.

ورغم أن الشركة تؤكد في وثائقها الرسمية اعتماد مساطر للإشعار قبل قطع التزويد، وتوفير قنوات لتلقي الشكايات وتتبعها، فإن النقاش الذي يتصاعد في طنجة لا يتعلق فقط بوجود هذه المساطر، وإنما بمدى احترامها في جميع الحالات، ومدى شعور المرتفق بأن حقوقه مصونة عندما يختلف مع الشركة حول فاتورة أو إجراء من إجراءات الاستخلاص.

لكن المسؤولية لا تقف عند حدود الشركة وحدها، فجزء كبير من الانتقادات يتجه أيضًا نحو الجهات المنتخبة والمؤسسات المكلفة بتتبع عقد التدبير المفوض. فبعد سنوات طويلة من الشكاوى، يتساءل المواطنون عن حصيلة الرقابة التي مارستها جماعة طنجة ومؤسسة التعاون بين الجماعات “البوغاز”، وعن سبب غياب مواقف قوية تعكس حجم التذمر الذي تعيشه فئات واسعة من السكان.

ويعتبر متابعون أن الدور الطبيعي للمنتخبين لا يقتصر على المصادقة على الاتفاقيات أو حضور الاجتماعات، بل يشمل أيضًا الدفاع عن مصالح المرتفقين، ومساءلة الشركة حول الفواتير المثيرة للجدل، وعدد عمليات قطع التزويد، وآجال إعادة الربط، وكيفية معالجة الشكايات، ومدى احترام الالتزامات الواردة في عقد التدبير المفوض.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود الحديث بقوة عن حماية القدرة الشرائية وتحسين الخدمات العمومية، غير أن سكان طنجة ينتظرون إجراءات عملية أكثر من انتظارهم للشعارات. فهم يريدون فواتير واضحة ومفهومة، ورسومًا عادلة، وخدمة مستقرة، وتعاملاً يحترم المرتفق، ورقابة حقيقية تضمن التوازن بين حق الشركة في استخلاص مستحقاتها وحق المواطن في الولوج إلى خدمات أساسية في ظروف تحفظ كرامته.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كانت أمانديس تقترب من نهاية مرحلة تدبيرها لقطاع الماء والكهرباء بطنجة، فلماذا يشعر كثير من المواطنين بأن الشكاوى تتزايد بدل أن تتراجع؟ ولماذا لم تنجح سنوات الرقابة في معالجة الملفات التي ظلت تتكرر عامًا بعد آخر؟ والأهم من ذلك، هل سيقتصر التغيير المرتقب على اسم الشركة، أم أنه سيشكل بداية مرحلة جديدة تعيد الثقة بين المواطن والمرفق العمومي؟

زر الذهاب إلى الأعلى