استمرار إغلاق مكتبة “إقرأ” فضيحة ثقافية بطنجة.. مشروع ملكي بـ48 مليون درهم خارج الخدمة منذ عقد

أعاد استمرار إغلاق المكتبة الوسائطية الكبرى “إقرأ” بحي الزياتن بمدينة طنجة إلى الواجهة ملف تعثر المشاريع الثقافية العمومية، بعدما كشفت جريدة “الأخبار” أن هذا المرفق، الذي انتهت أشغال إنجازه منذ سنة 2016، لا يزال خارج الخدمة إلى اليوم، رغم مرور نحو عشر سنوات على إطلاقه في إطار برنامج “طنجة الكبرى”، ودون تقديم أي توضيحات رسمية بشأن أسباب تأخر افتتاحه.
ويعد المشروع، الذي أعطى انطلاقته الملك محمد السادس سنة 2015، من أبرز المشاريع الثقافية التي راهنت عليها المدينة لتعزيز بنيتها التحتية في مجال المعرفة والقراءة، بغلاف مالي ناهز 48 مليون درهم، غير أن المكتبة ظلت أبوابها موصدة، في وقت تعرف فيه طنجة توسعاً عمرانياً وديمغرافياً متسارعاً، وارتفاعاً متواصلاً في أعداد الطلبة والباحثين.
ووفق ما أوردته صحيفة “الأخبار” في تقرير مطول، فإن استمرار إغلاق هذا الفضاء الثقافي يطرح تساؤلات جدية حول مآل واحد من أكبر المشاريع الثقافية بشمال المملكة، خاصة أنه كان من المنتظر أن يشكل مركزاً للمطالعة والبحث العلمي، وفضاءً لاحتضان الندوات والأنشطة الثقافية والتربوية لفائدة مختلف فئات المجتمع.
وتزداد حدة هذه الإشكالية بالنظر إلى الخصاص الذي تعرفه مدينة طنجة في فضاءات المطالعة العمومية، حيث يضطر عدد كبير من الطلبة والباحثين إلى إنجاز بحوثهم داخل المقاهي أو الفضاءات الخاصة، في غياب مكتبة عمومية حديثة تستجيب لحاجيات المدينة الجامعية التي تضم عشرات الآلاف من الطلبة.
وبحسب المعطيات المنشورة على الموقع الرسمي لجماعة طنجة، تمتد المكتبة الوسائطية “إقرأ” على مساحة تناهز 7500 متر مربع، وتضم فضاءات مخصصة للكبار والأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة، إلى جانب قاعة للعروض وأخرى للمحاضرات والندوات تتسع لنحو 250 شخصاً، فضلاً عن مرافق رقمية وثقافية كان يفترض أن تجعل منها أحد أبرز الصروح الثقافية على المستوى الوطني.
غير أن هذا الوصف الرسمي، تضيف الجريدة، يتناقض مع الواقع، إذ لا تزال المؤسسة مغلقة منذ انتهاء الأشغال، دون أن تستقبل المستفيدين الذين أنشئت من أجلهم، في مشهد يعكس تعثر مرحلة التشغيل رغم اكتمال البنية التحتية.
ويكتسب هذا الملف بعداً أكبر في ضوء ما سبق أن سجله المجلس الأعلى للحسابات بشأن عدد من المشاريع العمومية التي انتهى إنجازها دون دخولها مرحلة الاستغلال، نتيجة غياب رؤية واضحة للتدبير والتشغيل، وعدم استكمال الجوانب الإدارية والمالية الضرورية لضمان استمرارية هذه المرافق.
وفي السياق ذاته، اعتبر الكاتب والروائي يوسف شبعة، في تصريح نقلته “الأخبار”، أن استمرار إغلاق مكتبة “إقرأ” يحرم مدينة طنجة من فضاء ثقافي كان من شأنه أن يسهم في ترسيخ ثقافة القراءة، واحتضان الأنشطة الفكرية والثقافية، ودعم الجمعيات والفاعلين في المجال الثقافي، مؤكداً أن مدينة بحجم طنجة تحتاج إلى شبكة من المكتبات العمومية، وليس إلى مشروع ظل معطلاً رغم اكتمال إنجازه.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن استمرار إغلاق المكتبة لم يعد مجرد تأخر في افتتاح مرفق عمومي، بل تحول إلى عنوان لإشكالية تدبير المشاريع بعد إنجازها، حيث تُرصد اعتمادات مالية مهمة للبناء والتجهيز، بينما تغيب في عدد من الحالات رؤية واضحة لمرحلة التسيير والتشغيل، ما يؤدي إلى تجميد الاستثمارات وإهدار فرص الاستفادة منها.
كما يعتبر فاعلون ثقافيون أن فتح مكتبة “إقرأ” لم يعد مطلباً ثقافياً فحسب، بل أصبح ضرورة تنموية، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تضطلع به في تشجيع القراءة، ودعم البحث العلمي، واحتضان المبادرات الثقافية، وتعزيز مكانة طنجة كقطب جامعي واقتصادي وثقافي.
وفي انتظار توضيحات من الجهات المعنية، يبقى السؤال قائماً: كيف لمشروع ملكي اكتملت أشغاله منذ سنة 2016، ورُصد له غلاف مالي يقارب 48 مليون درهم، أن يظل خارج الخدمة إلى اليوم، بينما تشتد حاجة المدينة إلى فضاءات للمعرفة والقراءة؟ وهو سؤال يختزل، في نظر كثيرين، إحدى أبرز المفارقات التي ما تزال تطبع تدبير بعض المشاريع العمومية بطنجة.
