من طنجة إلى “العيس”.. علي الأحمد يعود إلى سوريا “عودة الأبطال” بعد نحو نصف قرن من الغياب ومعارضة نظام الأسد

عاد علي الأحمد إلى “العيس”، قريته في ريف حلب التي غاب عنها نحو نصف قرن، لكنها لم تغب عنه. ظلت حاضرة في وجدانه وشعره وذاكرته، بينما كانت سنوات الاغتراب تتراكم واحدة بعد أخرى. غادر سوريا سنة 1977 في سياق سياسي قاده إلى إقامة طويلة خارج بلاده، وظل معارضاً لنظام الأسد، قبل أن يفتح سقوط النظام أمامه طريق العودة إلى أرض حملها في داخله طوال ما يقارب خمسة عقود. وحين وصل، كان الأهل والأقارب وأبناء العشيرة في انتظاره بحفاوة كبيرة، في مشهد حمل الكثير من معاني “عودة الأبطال”.
لم تكن العودة مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل استعادة لجزء مؤجل من العمر. عاد الرجل إلى وجوه وأماكن ظلت محفوظة في الذاكرة، وإلى أرض كتب عنها وهو بعيد، بعد سنوات طويلة توالت خلالها الأفراح والفواجع، وكبر الأبناء وجاء الأحفاد ورحل أحبة كثيرون قبل أن يتمكن من وداعهم. لذلك بدت لحظات اللقاء أكبر من فرحة عائلية عابرة؛ كانت محاولة لاختصار خمسة عقود من الفراق في عناق واحد.
وبين الرحيل والعودة، بنى علي الأحمد الجزء الأكبر من حياته في المغرب. شاعر وأديب ومربٍّ شديد الصلة باللغة والثقافة، بدأ مساره المهني في قطاع التعليم بتدريس اللغة العربية، قبل أن تتسع تجربته ويتحمل مسؤوليات في الإدارة التربوية. ولم تكن اللغة بالنسبة إليه مجرد مهنة، بل فضاءً عاش داخله، ووجد في الشعر وسيلة للتعبير عن الغربة والحنين وعن سوريا التي ابتعد عنها جسداً وظلت قريبة منه وجداناً.
وفي المغرب أيضاً بنى أسرته، وربى أبناءه على العلم والعمل والاجتهاد. محمد الأحمد أصبح مراسلاً لقناة “الجزيرة” في واشنطن، وعبد الله الأحمد من الوجوه الصحفية المعروفة في قناة “ميدي1 تيفي”، وأيمن الأحمد صحفي بإذاعة “ميدي1″، فيما اختار أحمد الأحمد الطب وتخصص في جراحة العظام واستقر مهنياً في فرنسا، وسلك حسين الأحمد مجال الهندسة واستقر في كندا، إلى جانب ابنتين، خاضت إحداهما بدورها تجربة في المجال الإعلامي. مسارات مختلفة، لكنها تكشف عن بيت جعل من التعليم والثقافة والعمل أساساً للتربية، واستطاع أن يحول سنوات الغربة إلى مشروع حياة لا إلى مجرد انتظار للعودة.
ومع امتداد السنوات، لم يعد المغرب بالنسبة إلى علي الأحمد مجرد بلد إقامة، بل أصبح فضاء حياة كاملة؛ فيه عمل وأسس أسرته، وفيه كبر أبناؤه ونسج صداقات وراكم ذكريات امتدت لعقود. ومن بين مدنه، أخذت طنجة مكاناً خاصاً في سيرة العائلة، إذ أصبحت، مع ارتباط عدد من أبنائه بها مهنياً واستقرارهم فيها، واحدة من المحطات الأساسية في حياة الأب، قريباً من أبنائه وأحفاده.
في طنجة ارتبط عبد الله الأحمد بقناة “ميدي1 تيفي”، وأيمن الأحمد بإذاعة “ميدي1″، ومنها أيضاً بدأت محطة مهمة في المسار الإعلامي لمحمد الأحمد قبل أن تقوده المهنة إلى الولايات المتحدة، حيث أصبح مراسلاً لقناة “الجزيرة” في واشنطن. كما كانت المدينة محطة في المسار المهني للطبيب أحمد الأحمد قبل انتقاله إلى فرنسا. ومع الأبناء والأحفاد، تحولت طنجة من مدينة للعمل والإقامة إلى جزء أصيل من الذاكرة العائلية لعلي الأحمد.
ولم تكن سنوات الاغتراب انقطاعاً عن أبناء وطنه. فقد عُرف علي الأحمد في محيطه بقربه من السوريين الذين قادتهم ظروف الدراسة أو العمل والحياة إلى المغرب، ومد يد العون لمن يستطيع مساعدته منهم، بالنصيحة والتوجيه وما تسمح به إمكاناته. ولعل الرجل الذي اختبر بنفسه معنى أن يبدأ حياته بعيداً عن أرضه كان أقدر على فهم ما يحتاجه القادم الجديد من سند وألفة في بدايات الغربة.
وبقدر ما بقيت سوريا حاضرة في وجدانه، دخل المغرب عميقاً في حياة الأسرة. فاللسان والعادات والصداقات وتفاصيل الحياة اليومية جعلت من المملكة أكثر من محطة في سيرة العائلة. وكان علي الأحمد يتحدث عن المغرب بكثير من الاعتزاز والامتنان، بوصفه البلد الذي احتضنه ومنحه مساحة ليعمل ويؤسس أسرته ويرى أبناءه يكبرون ويصنعون مساراتهم.
ومع ذلك، بقي جذر أول عصياً على المسافات: “العيس”.
هناك، في القرية الواقعة جنوب حلب، بقيت ذاكرة البدايات، والأهل، والوجوه الأولى، والأماكن التي حملها الشاعر معه إلى غربته. وظل الشعر واحداً من الخيوط التي تصل علي الأحمد بتلك الأرض؛ قصائد حملت الشوق والاغتراب والفقد، قبل أن تأتي العودة لتمنح ذلك الشعر معنى جديداً.
وعندما سقط نظام الأسد، تغير معنى المسافة بالنسبة إلى الرجل الذي ظل معارضاً له طوال سنوات اغترابه. أصبح الطريق إلى سوريا ممكناً، وتحول ما ظل لعقود حلماً بعيداً إلى رحلة يمكن أن تبدأ فعلاً.
ورافقه في رحلة العودة ابنه محمد الأحمد، مراسل “الجزيرة” في واشنطن. وفي ريف حلب، كان الأهل والأقارب وأبناء العشيرة في انتظاره. توالت مشاهد العناق والاحتفاء، والتفت حوله وجوه بعضها احتفظ به في ذاكرته، وأخرى ولدت وكبرت خلال سنوات غيابه. كانت لحظات تحاول اختصار نحو نصف قرن من الفراق، واستقبالاً يليق برجل ظل يحمل قريته ووطنه في شعره ووجدانه.
وفي قلب تلك الفرحة السورية، حضر المغرب بقوة.
محمد الأحمد، وهو يقف بين أهله وأبناء عشيرته في وطن والده، تحدث بكثير من المحبة والامتنان عن المغرب؛ البلد الذي احتضن والده وأسرته، والذي ولد ونشأ فيه ويعتبره بلده أيضاً. واستحضر ما جمع المغاربة والسوريين من محبة، ومشاركة المغاربة للسوريين فرحتهم بانتهاء عهد النظام السابق. كان الابن يصل إلى وطن أبيه، لكنه وصل إليه حاملاً معه أيضاً ذاكرة وطنه المغربي.
أما علي الأحمد، فلم تسمح له فرحة استعادة سوريا بأن تنسيه البلد الذي عاش فيه الجزء الأكبر من حياته. ظل المغرب حاضراً في حديثه ووجدانه، بوصفه الأرض التي عمل فيها وربى أبناءه، وشاهد أسرته تكبر وتتسع، وأصبح له فيها أحفاد وأصدقاء وذكريات عمر. فالعودة إلى الوطن الأول لم تكن تنكراً لوطن احتضن سنوات الغياب.
ولم تتوقف حفاوة العودة عند حدود “العيس” والأهل والأقارب. فقد أخذت الرحلة، أمس الأحد، بعداً رسمياً وثقافياً في دمشق، حيث استقبل وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح الشاعر علي الأحمد بمقر الوزارة. لقاء يحمل دلالته بالنسبة إلى أديب يعود إلى وطنه بعد غياب امتد قرابة خمسة عقود، بعدما ظلت سوريا حاضرة في شعره ووجدانه طوال سنوات البعد.
وجاء استقبال وزير الثقافة ليضيف إلى الحفاوة العائلية في ريف حلب بعداً رسمياً وثقافياً؛ فمن “العيس” إلى دمشق، بدت رحلة العودة وكأنها تستعيد للرجل، بالتدريج، أمكنة غابت عنه طويلاً، فيما ظل هو يحتفظ بها في ذاكرته وشعره.
ولعل القيمة الأعمق في سيرة علي الأحمد أنه لم يحول نحو نصف قرن من الغياب إلى غرفة انتظار. عاش خلاله حياة كاملة؛ علّم وربّى، وتحمل مسؤوليات تربوية، ونظم الشعر، وظل على موقفه المعارض لنظام الأسد، وبنى أسرة توزعت مسارات أبنائها بين الإعلام والطب والهندسة، فيما أصبحت طنجة، بأبنائه وأحفاده، جزءاً أصيلاً من حكايته.
لكن الكلمة الأخيرة في هذه الحكاية ربما لا ينبغي أن تكون للصحافة، بل للشاعر نفسه.
فبعد عودته، كتب علي الأحمد قصيدته “لقاء الحب والوطن”، وفيها استعاد الغربة والفقد والأهل الذين رحلوا، والقبور التي عاد إليها بعين دامعة، قبل أن يخاطب قريته:
“يا عيس لم تغيبي عن خاطري أبداً
فكيف والقلب مزروع به الحلم”
ثم، بعد كل تلك المواجع، تتحول الدموع إلى ابتسامة:
“يا عيس يا دمعتي الخرساء فابتسمي
بعد المواجع كم يحلو لك النغم”
وبين البيتين تختصر حكاية نحو خمسة عقود من الغياب؛ قرية ظلت حاضرة في قلب شاعر حتى وهو على الضفة الأخرى من المتوسط، وشاعر عاد إليها بعدما تغير الزمن وغابت وجوه وبقيت أخرى، ليجد نفسه أخيراً فوق الأرض التي طالما استعادها في وجدانه.
وفي القصيدة ذاتها كتب:
“إنا هنا في ربوع العيس نحملها
حباً مدى الدهر عهد الأوفياء قسم”
وهكذا عاد علي الأحمد إلى “العيس” التي لم تغب عنه، واستقبلته أرضه وأهله بحفاوة “عودة الأبطال”، قبل أن يحظى في دمشق باستقبال رسمي من وزير الثقافة. عاد حاملاً سوريا الجذور والذاكرة والشعر، والمغرب وطن الحياة والوفاء، وشيئاً كثيراً من طنجة؛ المدينة التي أصبحت، بأبنائه وأحفاده، جزءاً أصيلاً من سيرة رجل امتدت حياته بين وطنين، وظل لكل واحد منهما مكانه في القلب.


