هل تحسم البادية معركة المقاعد الخمسة بطنجة؟ استقطابات في “عقر دار” الطاهر تعيد رسم الخريطة الانتخابية

مع دخول السباق نحو الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر مراحله الحاسمة، تشتد المنافسة على المقاعد الخمسة لدائرة طنجة–أصيلة، وسط خريطة سياسية تبدو مختلفة بشكل لافت عن تلك التي أفرزتها انتخابات 2021، ليس فقط بسبب تغير بعض الألوان الحزبية والمرشحين، وإنما أيضاً بفعل حركة الاستقطابات وإعادة توزيع مواقع النفوذ، خصوصاً داخل العالم القروي، الذي قد يتحول إلى أحد مفاتيح الحسم في معركة تبدو مفتوحة على أكثر من سيناريو.

ورغم الثقل السكاني والانتخابي الكبير لمدينة طنجة ومقاطعاتها الأربع “طنجة المدينة” و”بني مكادة” و”السواني” و”مغوغة”، فإن المعركة التي تجري في الجماعات القروية التابعة لعمالة طنجة–أصيلة تستحق اهتماماً خاصاً، بالنظر إلى طبيعة التصويت في هذه المناطق وحضور المنتخبين والفاعلين المحليين وشبكاتهم في عمليات التعبئة. وفي انتخابات تتنافس فيها عدة لوائح قوية على خمسة مقاعد فقط، يمكن لأي تحول في بضعة آلاف من الأصوات أن يعيد ترتيب النتائج.

وتكشف العودة إلى انتخابات 2021 حجم حساسية المعادلة. فقد تصدر محمد الزموري النتائج بـ22 ألفاً و816 صوتاً، متبوعاً بحزب الاستقلال الذي حصل على 21 ألفاً و218 صوتاً، ثم حزب الأصالة والمعاصرة بـ20 ألفاً و131 صوتاً، والتجمع الوطني للأحرار بـ19 ألفاً و900 صوت، فيما عاد المقعد الخامس إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة عبد القادر الطاهر، بعدما حصل على 11 ألفاً و650 صوتاً.

ولا تعني هذه الأرقام أن نتائج 2026 يمكن استنتاجها حسابياً من نتائج الاقتراع السابق، خصوصاً أن جزءاً مهماً من الخريطة التي صنعت نتائج 2021 تغير اليوم، لكنها تكشف في المقابل أن الاتحاد الاشتراكي انطلق من رصيد أقل بفارق واضح عن الأحزاب الأربعة التي سبقته، وهو ما يجعل أي تراجع في خزانه الانتخابي التقليدي أكثر كلفة بالنسبة إليه.

ويبرز محمد الزموري في مقدمة عناصر الخريطة الجديدة، بعدما غادر الاتحاد الدستوري، الحزب الذي تصدر به انتخابات 2021، وانتقل إلى الحركة الشعبية لخوض استحقاق 23 شتنبر بألوان “السنبلة”. انتقال الزموري ترافق مع تحركات واستقطابات لمنتخبين وفاعلين محليين، في محاولة لإعادة تجميع جزء من شبكة سياسية وانتخابية راكمها على مدى سنوات، بما يجعل الحركة الشعبية اليوم رقماً يصعب استبعاده من حسابات المقاعد الخمسة.

وفي الاتجاه نفسه، تحرك حزب الأصالة والمعاصرة بقوة داخل العالم القروي، وانتقلت مساعيه لاستقطاب المنتخبين إلى لقاءات مباشرة مع رؤساء جماعات ومنتخبين من انتماءات حزبية مختلفة، بينهم أسماء محسوبة على الاتحاد الاشتراكي وأحزاب أخرى. وهي تحركات تكشف بوضوح أن “البام” ينظر إلى الجماعات القروية باعتبارها جزءاً أساسياً من معركته لتعزيز موقع وكيل لائحته عبد اللطيف الغلبزوري.

ويظل حزب الاستقلال بدوره رقماً أساسياً في هذه المعادلة، بالنظر إلى امتداداته الانتخابية وشبكة منتخبيه، فضلاً عن دخوله السباق بمحمد الحمامي، الذي حل ثانياً في انتخابات 2021. وهي عناصر تجعل الحزب معنياً بدوره بالحفاظ على خزانه ومنع منافسيه من اختراقه، سواء داخل طنجة أو في محيطها القروي.

ولا تكتمل صورة المنافسة من دون “التجمع الوطني للأحرار”، الذي يدخل الاستحقاق بعبد الواحد بولعيش وكيلاً للائحته. فالحزب، الذي اقترب من 20 ألف صوت في انتخابات 2021، لا يراهن فقط على العالم القروي، بل يمتلك حضوراً تنظيمياً وانتخابياً داخل مدينة طنجة ومقاطعاتها الأربع، إلى جانب منتخبين وامتدادات في عدد من المناطق القروية. كما دخلت تنظيماته المحلية خلال الأسابيع الماضية في تعبئة معلنة استعداداً لاقتراع 23 شتنبر، ما يؤكد أن “الأحرار” يراهن على الجمع بين ثقله الحضري وما يستطيع تحصيله خارج مركز المدينة.

وسط هذه التحركات، تبدو وضعية الاتحاد الاشتراكي ومرشحه عبد القادر الطاهر الأكثر حساسية. فالرجل يعرف العالم القروي جيداً، وبنى جزءاً مهماً من مساره السياسي داخل جماعة حجر النحل التي سبق أن ترأس مجلسها، قبل أن يفقد رئاسة الجماعة عقب دخوله السجن على خلفية ملف قضائي، انتهى مساره لاحقاً لصالحه قضائياً.

غير أن استحضار هذه المرحلة لا تفرضه اليوم القضية القضائية في حد ذاتها، بقدر ما تفرضه رمزية حجر النحل في المسار السياسي والانتخابي للطاهر. فالمنافسون الذين يتحركون اليوم في العالم القروي لم يكتفوا باستقطاب أسماء في مناطق بعيدة عن نفوذه، وإنما وصلت التحركات والاستقطابات إلى مناطق شكلت لسنوات جزءاً من مجال حضوره السياسي والانتخابي، وفي مقدمتها محيط جماعته السابقة.

وهنا قد تكمن إحدى أكبر نقاط الضغط على مرشح “الوردة”. فأن يخسر حزب منتخباً أو فاعلاً محلياً في منطقة لم تكن محسوبة عليه أمر، وأن تنجح الأحزاب المنافسة في استقطاب أسماء من داخل المجال الذي يعتبر “عقر داره” الانتخابي أمر مختلف تماماً. وإذا استطاعت الحركة الشعبية و”البام” والاستقلال و”الأحرار” تحويل هذه التحركات إلى تعبئة فعلية يوم الاقتراع، فإن الطاهر سيكون مطالباً بتعويض أي تراجع محتمل في خزانه القروي بأصوات إضافية من داخل طنجة.

ويضاف إلى ذلك عامل آخر داخل المعادلة الاتحادية يتعلق بالمستشار البرلماني يوسف بنجلون، أحد الأسماء الاتحادية المعروفة بطنجة، والذي كان حاضراً بقوة خلال استحقاقات 2021، ولعب دوراً مهماً في تعبئة الحزب ودعم حملة عبد القادر الطاهر، مستفيداً من شبكة علاقات سياسية ومهنية واسعة.

وإلى حدود الساعة، لا يظهر بنجلون في المشهد الانتخابي الحالي بالزخم نفسه الذي طبع حضوره خلال الاستحقاق السابق. ولا يعني ذلك أنه تخلى عن دعم مرشح حزبه أو أنه لن يدخل بثقله في المراحل المقبلة، لكنه يظل إحدى الأوراق المهمة التي لم يظهر تأثيرها كاملاً بعد، في وقت يحتاج فيه الاتحاد الاشتراكي إلى استنفار أكبر قدر ممكن من شبكاته للحفاظ على مقعده.

ومع ذلك، فإن قراءة حركة المنتخبين والاستقطابات ينبغي أن تتم بحذر. فالمنتخب الذي يغير موقعه الحزبي لا يحمل معه بالضرورة جميع الناخبين الذين صوتوا له، كما أن اللقاءات والتحالفات والانتقالات السياسية لا تتحول بصورة آلية إلى أصوات داخل الصناديق. وقد أظهرت انتخابات سابقة أن التصويت في طنجة–أصيلة يمكن أن يفاجئ حتى التنظيمات التي تبدو قوية على الورق.

كما سيكون من الخطأ اختزال نتيجة الدائرة في العالم القروي وحده. فمدينة طنجة تظل صاحبة الثقل الأكبر، ونتائج مقاطعاتها الأربع قادرة على تغيير الحسابات، كما أن نسبة المشاركة ستكون عاملاً حاسماً في تحديد حجم الكتل الانتخابية التي ستنجح الأحزاب في إخراجها يوم 23 شتنبر. ويكفي التذكير بأن نسبة المشاركة على مستوى دائرة طنجة–أصيلة في انتخابات 2021 لم تتجاوز حوالي 33 في المائة.

لكن في معركة على خمسة مقاعد، ومع خريطة أعيد توزيع جزء مهم من أوراقها، قد تتحول الأصوات القادمة من البادية إلى الفارق الذي يرجح كفة لائحة على أخرى، خصوصاً في الصراع على المقاعد الأخيرة.

لذلك قد لا يكون السؤال في انتخابات طنجة–أصيلة فقط: من سيفوز داخل طنجة؟ بل أيضاً: “لمن ستصوت البادية؟”.

فالزموري يحاول نقل شبكته الانتخابية إلى الحركة الشعبية، و”البام” وسع دائرة استقطاباته داخل العالم القروي، والاستقلال يدافع عن رصيده وامتداداته، و”الأحرار” يراهن على آلة انتخابية تجمع بين المدينة والبادية، بينما يجد الاتحاد الاشتراكي نفسه أمام معركة مزدوجة: البحث عن أصوات جديدة، وحماية ما تبقى من خزانه التقليدي من اختراق المنافسين.

أما عبد القادر الطاهر، فقد تكون معركته أكثر حساسية من غيره، لأن منافسيه لم يعودوا ينافسونه على المقعد من خارج مناطق نفوذه فقط، وإنما نقلوا جزءاً من الصراع إلى المجال الذي صنع فيه الرجل جانباً مهماً من مساره السياسي.

وهنا قد يكمن أحد أهم أسئلة اقتراع 23 شتنبر: هل يستطيع الطاهر الحفاظ على “حصنه القروي”، أم أن الاستقطابات التي وصلت إلى “عقر داره” ستكون واحدة من المفاجآت التي تعيد توزيع المقاعد الخمسة في طنجة–أصيلة؟

زر الذهاب إلى الأعلى