كورنيش القصر الصغير… حين يتحوّل الحلم إلى كابوس تحت أعين المسؤولين الصامتين

كورنيش قصر المجاز، الذي كان يُفترض أن يكون متنفسًا للعائلات ومكانًا آمنًا للراحة والاستجمام، تحوّل اليوم إلى ساحة للفوضى ومصدر قلق دائم للساكنة، وسط صمت غير مبرّر من الجهات المسؤولة.
فبدل أن يحتضن الكورنيش الأطفال والعائلات في أجواء هادئة ونظيفة، باتت الأرصفة مرتعًا للدراجات النارية الصينية الصنع، يقودها مراهقون بسرعات جنونية، دون أدنى احترام للقانون أو لحياة الآخرين. ومع كل مساء، تتحوّل الممرات المخصصة للراجلين إلى حلبة خطر حقيقية، حيث يفاجأ المارة بدراجات تنطلق بشكل عشوائي على الأرصفة، محدثة حالة من الذعر، خصوصًا في صفوف النساء والأطفال.
هذا السلوك المتهوّر لم يعد استثناءً عابرًا، بل تحوّل إلى مشهد يومي مألوف، يفرض نفسه تحت أنظار السلطات التي يبدو أنها اختارت الصمت بدل التحرك. والأسوأ من ذلك، أن بعض هؤلاء المراهقين لا يكتفون بالسرعة المفرطة، بل يتعمّدون القيام بحركات استعراضية خطيرة، مصحوبة بعبارات نابية وسلوك عدواني، في غياب تام لأي تدخل أمني يضع حدًا لهذا التسيّب الذي يهدّد السلامة العامة ويشوّه صورة المنطقة.
ويزداد الوضع تأزمًا مع ضعف أو انعدام الإنارة العمومية في عدد من الأزقة المحاذية للكورنيش، حيث يغرق المكان في الظلام مع حلول الليل، فيتحوّل من فضاء للتنزه إلى بيئة خصبة للسلوكات المنحرفة والاعتداءات، ويمنع العديد من الأسر من ارتياده ليلًا خوفًا على سلامتهم. في هذا الظلام، لا مجال للإحساس بالأمان، بل هو زمن للقلق والترقب.
وعلى الصعيد البيئي، يعاني الكورنيش من كارثة صامتة، تتمثل في صبّ مياه الصرف الصحي في البحر، ما يؤدي إلى انبعاث روائح كريهة تزكم الأنوف وتشوّه المشهد الطبيعي وتُهدّد الصحة العامة. هذا التلوّث لا يقتصر ضرره على السكان فحسب، بل يمتد إلى الزوار والسياح، ويقضي على كل فرص الإقلاع السياحي الذي طالما رُوّج له في خطابات المسؤولين.
وما يزيد من مرارة الواقع أن كورنيش قصر المجاز لا يخص فقط أبناء المنطقة، بل كان يشكل وجهة مفضلة لعدد كبير من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، الذين يحرصون على زيارته كل صيف بحثًا عن لحظات استجمام بين الأهل وذكريات الطفولة. كما استقطب، لسنوات، عائلات قادمة من مدن مغربية أخرى مجاورة، وجدت فيه بديلًا عن صخب المدن وضجيجها. غير أن ما تصطدم به هذه الفئات اليوم من مظاهر الإهمال والتسيّب، جعل من الكورنيش نقطة نفور بدل أن يكون نقطة جذب.
أمام هذا الواقع المتردي، ترفع الساكنة صوتها عاليًا، مطالبة بتدخّل عاجل من الجهات المحلية والأمنية، لوضع حد للفوضى، وتعزيز الرقابة على مستعملي الدراجات النارية، وتحسين الإنارة العمومية، ومعالجة التلوّث البيئي. فالأمر لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار أو التجاهل. الكورنيش ليس ملكًا للفوضى، بل هو حق جماعي يجب أن يُصان، ومجال عمومي يجب أن يُحمى من العبث والتهميش.
ما يحدث اليوم ليس نتيجة عجز، بل انعكاس لإهمال مزمن وغياب للإرادة. كورنيش قصر المجاز وجد ليكون ملاذًا للطمأنينة، لا بؤرة للقلق والخطر. فهل يتحرك المسؤولون قبل أن يتحوّل الإهمال إلى مأساة حقيقية؟
