غابات طنجة على طبق من ذهب للمنهشين العقاريين

طنجة، المدينة التي كانت تُوصف بـ”جوهرة الشمال”، أصبحت اليوم تفقد بريقها الطبيعي أمام زحف الإسمنت الذي يلتهم مساحاتها الخضراء بصمت، تحت أعين السلطات وصمت المؤسسات التي من المفترض أن تحمي المجال الغابوي. غابات طنجة، التي كانت إلى عهد قريب متنفساً بيئياً ومورداً طبيعياً نادراً، تحولت تدريجياً إلى هدف ثمين لما يمكن وصفهم بـ”المنهشين العقاريين” — لا المنعشين — الذين لا يرون في الأرض سوى مترٍ يُباع ومترٍ يُبنى، مهما كان الثمن البيئي أو الجمالي.
ما يجري في غابات طنجة ليس مجرد “عمران طبيعي”، بل هو تآكلٌ بطيء لروح المدينة، يبرره البعض بعبارات منمقة مثل “الاستثمار” و”التنمية الحضرية”، بينما الحقيقة أبسط وأقسى: مصالح خاصة تلتهم المجال العام. بعض المساحات الغابوية التي كانت تشكل أحزمة خضراء حول المدينة، مثل غابة الرميلات، مسنانة، وبوغندور، بدأت تختنق بمشاريع إسمنتية تفتح الطريق تدريجياً أمام فقدان التوازن البيئي والمجالي.
المنهشون العقاريون — وهم فئة تعرف جيداً من أين تؤكل الكتف — وجدوا في ضعف المراقبة وغياب رؤية بيئية واضحة فرصة للتمدد. لا يهم إن اختفت أشجار عمرها عشرات السنين، أو إن تقلصت المساحات التي كانت تحتضن طيوراً نادرة وأنواعاً نباتية مميزة، المهم أن المشروع مرّ، والرخصة وُقعت، والمتر بيع.
المدينة اليوم أمام خطر بيئي حقيقي، لأن ما يُهدم من النظام الغابوي لا يعوض بسهولة. لا يمكن لأي حديقة صغيرة تُقام وسط حي سكني أن تحل محل غابة كانت تحمي الهواء والمناخ والذاكرة الطبيعية لطنجة.
