فضيحة بالكزناية… رخصة عمرها خمس سنوات تُبعث من الرماد لابتلاع مساحة خضراء وألعاب الأطفال

تشهد جماعة الكزناية فضيحة عمرانية جديدة تكشف عمق الاختلالات التي تنخر تدبير الفضاء العمومي داخل طنجة الكبرى.

فمساحة خضراء حديثة التهيئة، جرى تجهيزها بألعاب الأطفال وكراسٍ إسمنتية وأعمدة إنارة عمومية في إطار برنامج أشرفت عليه ولاية الجهة خلال فترة الوالي السابق محمد مهيدية، تحوّلت فجأة إلى ورش خاص بعدما أقدم مجهزون على تسييج جزء من الفضاء ووضع لوحة تشوير تُعلن إطلاق مشروع لبناء مصنع للوحات الإشهار.

هذه الخطوة فاجأت السكان ليس فقط لأنها تمس حقاً بديهياً للأطفال والعائلات في متنفس عمومي، بل لأن المشروع يستند إلى رخصة تعود لسنة 2020، أي خلال عهد الرئيس السابق أحمد الإدريسي، وهي رخصة لم تُفعَّل طيلة خمس سنوات قبل أن تُبعث فجأة من جديد في توقيت يطرح أكثر من علامة استفهام.

مصادر مطلعة تؤكد أن إعادة تفعيل رخصة قديمة بهذا الشكل يتطلب مسطرة دقيقة داخل قسم التعمير، تشمل التحقق من الوضعية الحالية للعقار ومطابقة المشروع لتصميم التهيئة المنشور حديثاً، إضافة إلى التأكد من عدم وجود تجهيزات عمومية فوق الأرض موضوع الرخصة. غير أن ما وقع في جزناية يوحي بأن مراقبة المشروعية لم تُمارس، وأن الضوء الأخضر أُعطي بشكل غامض يسمح بإطلاق ورش يتعارض مع المصلحة العامة، خصوصاً أن الفضاء الذي جرى اقتطاعه يدخل ضمن تجهيزات صرفة استفادت منها الساكنة وتم تمويلها من المال العام.

الصمت الذي تلتزمه جماعة جزناية يزيد من حدة الشبهة، إذ لم يخرج أي مسؤول لشرح كيفية السماح بإحياء رخصة منتهية الصلاحية عملياً، ولا لماذا جرى التغاضي عن وجود تجهيزات جماعية قائمة، ولا من قرر تحويل فضاء ألعاب إلى مشروع تجاري دون نشر أي وثيقة أو قرار معلل. هذا الصمت، وفق فاعلين محليين، يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب الشفافية والرقابة، وبوجود شبكة من الرخص القديمة التي يمكن إحياؤها في أي لحظة لخدمة مصالح خاصة بعيداً عن أعين الساكنة.

حركة “الشباب الأخضر” التي قامت بزيارة ميدانية للفضاء وصفت ما يجري بأنه “سيبة عمرانية تغتصب الملك العمومي”، مؤكدة أن الأمر ليس حادثاً معزولاً، بل حلقة جديدة ضمن سلسلة من الاختلالات العمرانية التي عرفتها جماعة جزناية خلال السنوات الأخيرة. الساكنة من جانبها اعتبرت ما وقع “استيلاءً علنياً” على متنفس نادر في منطقة تعاني أصلاً من الخصاص الكبير في الفضاءات الخضراء، محذرة من استمرار منح الامتيازات العقارية على حساب حقوق المواطنين في بيئة سليمة وفضاءات آمنة لأطفالهم.

ما وقع في جزناية يتجاوز قطعة أرض جرى اقتطاعها، فهو يكشف خللاً في تدبير الرخص، وارتباكاً في مراقبة الملك العمومي، وغياباً تاماً للمسؤولية الجماعية داخل المجلس، ويعيد طرح السؤال المؤجل: من يحمي الفضاء العمومي في طنجة؟ وكيف يمكن لرخصة عمرها خمس سنوات أن تُفعّل اليوم دون إشعار ولا دراسة ولا استشارة؟ القضية مفتوحة على تطورات أكبر، وقد تتحول خلال الأيام المقبلة إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة السلطات الوصية على حماية ما تبقى من المساحات المشتركة، مقابل التمدد المتواصل للإسمنت الذي يزحف باسم الاستثمار على حساب جودة الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى